شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٧٣
تقول: أمّا اليوم فإنك راجل على أن تنصب اليوم بما في أمّا من معنى مهما، كأنه قال:
مهما يكن من شيء فإنك راجل.
و كان أبو العبّاس المبرّد يجيز تقديم ذلك، و ذكر أنّ" أمّا" موضوعة على التقديم إليها ما بعد الفاء، و ردّ على المازنيّ ما قاله.
و ذكر أن جواز ذلك مذهب سيبويه؛ لأن سيبويه قال: أجهد رأيك أنّك ذاهب، فنصب جهدا على الظرف، كأنّه قال: في جهد رأيك ذهابك و الناصب لجهد استقرّ، و قال: لا يكون إلا ظرفا، و قال: أمّا جهد رأي فإنّك ذاهب فكسر إنّ لما أدخل أمّا و قال: لأنك لم تضطر إلى أن تجعله ظرفا كما اضطررت في الأول.
قال أبو سعيد: و تفسير ذلك أن قولك: أجهد رأيك أنك ذاهب، لا يجوز أن تنصب" جهد رأيك" بما بعد أنّ، و هو ذاهب؛ لأن خبر أنّ لا يعمل فيما قبل أنّ، فاضطرّ إلى أن يجعل أنّ و ما بعدها مصدرا في موضع ابتداء، و يجعل أجهد رأيك ظرفا له، كما تقول: خلفك زيد على تقدير استقرار، و أمّا جهد رأيك فإنك ذاهب فقال: فيه نصبت جهد بالفعل لا بالظرف، فقوله بالفعل يعني: بذاهب في مفهوم اللفظ.
و الظاهر من هذا الكلام أن سيبويه نصب ما قبل الفاء بخبر" إنّ" الذي لا يجوز تقديمه على" أنّ" في غير" أمّا".
قال أبو سعيد: يحتمل عندي أن يكون سيبويه ما أراد بهذا الذي قاله أبو العباس، و إنما أراد أن يفصل بين قولك: جهد رأيي أنك ذاهب و بين أمّا جهد رأيي فإنك ذاهب، بأن جهد رأى في الأول هو ظرف ب" أنّ"؛ و ما بعدها خبر لها لأنّها في معنى المصدر، و لا طريق إلى نصبه غير الظرف و إذا أدخل" أمّا" فإنه يجوز أن ينصب بما في" أمّا" من معنى فعل الشرط المحذوف، و لا يكون على ما قال أبو العباس.
و أما الفرّاء فأجاز نصب بعض ذلك بما بعد الفاء و لم يجز تقديم بعض فيما أجاز تقديمه، أمّا عبد اللّه فإني ضاربه، فقال بالرفع و النصب، و قال: إنما جاز النّصب لأن الفاء كأنها لحدوثها أحدثت" أنّ" لأنها من حروف الاستئناف و ما بعد الفاء مستأنف، و لو ألغيت" أمّا" و" الفاء" لم يجز ذلك، فقولك:" عبد اللّه إنّي ضارب" خطأ، و مثل ذلك" ليت" و" لعل" و" كأنّ".
و يشبه أن يكون مذهب الفراء في ذلك أن هذه الحروف كأنها جلبت من أجل الفاء