شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٨٥
" ثلاث نسوة" و" عشر نسوة" و" ثلاثة رجال" و" عشرة رجال" فإن قال قائل: لم أثبتوا الهاء في المذكر و نزعوها من المؤنث؟ ففي ذلك جوابان: أحدهما: أن الثلاث من المؤنث إلى العشر مؤنثات الصيغة، فالثلاث مثل:" عناق"، و أربع مثل:" عقرب" و كذلك إلى العشرة، قد صيغت ألفاظا للتأنيث، مثل عناق، و أتان، و عقرب، و قدر، و فهر، و يد، و رجل، و أشباه لذلك كثيرة، فصيغت هذه الألفاظ للتأنيث، فصارت بمنزلة ما فيه علامة التأنيث، و غير جائز أن تدخل هاء التأنيث على مؤنث تأنيثه بعلامة أو غيرها، و هذا القول يوجب أنه متى سمي رجل بثلاث لم تصرفه في المعرفة؛ لأنها قد صار محلها محل عناق، إذا سمي بها رجل.
و أما الثلاثة إلى العشرة في المذكر، فإنما دخلت الهاء فيها لتأنيث الجماعة و لو سمي رجل بثلاث من قولك:" ثلاثة" لانصرف في المعرفة و النكرة؛ لأنه يصير محلها: محل" سحابة" و" سحاب"، و إذا سمي رجل بسحاب انصرف في المعرفة و النكرة.
و القول الثاني: أنه فصل بين المذكر و المؤنث بالهاء، و نزعها يدل على تأنيث الواحد و تذكيره.
فإن قال قائل: فهلا أدخلوا الهاء في المؤنث، و نزعوها من المذكر؟
فالجواب أن المذكر أخف في واحده من المؤنث، فثقل جمعه بالهاء و خفف جمع المؤنث؛ ليعتدلا في الثقل.
و في الفرق بينهما وجه آخر، قاله بعض البصريين، و هو أنه قد تلحق الهاء في جمع المذكر في الموضع الذي تسقط فيه من المؤنث، كقولهم:" عناق" و" ثلاث أعنق"، و" عقاب" و" ثلاث أعقب" ثم قالوا: غراب، و" ثلاثة أغربة"؛ لأن العقاب مؤنث، و الغراب مذكر.
و قد فرق بينهما بعض الناس بمثل هذا المعنى من غير هذا الطريق، فقال: لما قالت العرب: قرد و قردة، و قردة و قرد حملوا" الثلاث" إلى" العشر" على ذلك، فأثبتوا فيما واحده مذكر الهاء، كما أثبتوا الهاء في" قردة" حين كان واحدها مذكرا فاعرفه إن شاء اللّه تعالى.
و اعلم أن" الثلاثة" إلى" العشرة" من حكمها أن تضاف إلا أن يضطر الشاعر، فينون و ينصب ما بعدها، فيقول:" ثلاثة أثوابا" و نحو ذلك، و الوجه ما ذكرناه من