شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٥
يعني: و إن شئت رفعت كلا بالابتداء، و جعلت الجملة في موضع الخبر، و أضمرت الهاء في" عارف" على لغة بني تميم كما قلت:" كلّه لم أصنع" فرفعت" كلّ" بالابتداء، و أضمرت في" أصنع" هاء تعود إلى" كلّ"، و معنى قوله:" و هذا أبعد الوجهين".
يعنى: رفع كل بالابتداء أبعد الوجهين؛ و ذلك لأن من يرفعه بالابتداء لا يعمل" ما"؛ فإذا لم يعملها أمكنه أن يعمل" عارف" في" كل"، فإذا لم يعمل فقد قبح؛ إذ قد وجد السبيل إلى الكلام المختار، و لا ضرورة تدعو إلى غيره، و من رفع" كلّ"" بما" فهو لا يجد السبيل إلى إعمال" عارف" في" كل" إلا بحذف" ما"، و حذفها يغير المعنى.
قال: (و قد زعم بعضهم أنّ" ليس" تجعل ك" ما" و ذلك قليل لا يكاد يعرف، فهذا يجوز أن يكون منه:" ليس خلق اللّه مثله" و" ليس قالها زيد").
يعني أن بعضهم يجعل" ليس" محمولة على" ما" فيلغي عملها، و لا يجوز أن يكون الذي يفعل هذا من العرب، إلا من كانت من لغته في" ما" إلغاؤها، فتحمل" ليس" على" ما"، و تجعلها حرفا لا تعمل في اللفظ شيئا، كما لم تعمل" ما"، و ليس على هذه اللغة دليل قاطع، و لا حجّة تقطع العذر؛ لأن كل ما يستشهد به يحتمل التأويل؛ لأنه إذا احتجّ محتج بقولهم:" ليس خلق اللّه مثله" فقال:" خلق" فعل، و لو كانت" ليس" فعلا لما وليها الفعل، فللقائل أن يقول في:" ليس" ضمير الأمر و الشأن و" خلق" و ما بعده جملة في موضع الخبر؛ فلذلك قال سيبويه:" فهذا يجوز أن يكون منه" لهذا المعنى الذي ذكرناه.
و قد احتجوا بشيء آخر- و هو أقوى من الأول- و هو قول بعض العرب:" ليس الطيب إلا المسك" فقالوا: هذا بمنزلة: ما الطيب إلا المسك، قالوا: و لو كان في" ليس" ضمير الأمر و الشأن، لكانت الجملة التي في موضع الخبر قائمة بنفسها، و في موضع خبرها، و نحن لا نقول:" الطيب إلا المسك" بغير تقديم حرف النفي، و ليس الأمر على ما ظنوا؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم قد وقع عليه حرف النفي فقد لحقها في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت:" ما زيد أبوه قائم" فقد نفيت قيام أبيه كما لو قلت:" ما أبو زيد قائم" و على هذا يجوز أن تقول:" ما زيد أبوه إلا قائم"، كأنك قلت:" ما أبو زيد إلا قائم".