شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٧٤
قال أبو سعيد: اعترض أبو العباس على سيبويه في قوله، و (لكنّ) المثقلة في جميع الكلام بمنزلة (إنّ) فقال نحن ندخل اللام في خبر (إنّ) و لا ندخلها في خبر (لكن) لا تقول لكن زيدا لقائم، كما تقول إنّ زيدا لقائم، و الذي أراده سيبويه أن (لكن) بمنزلة (إن) في العطف الذي ساق الكلام عليه. و سياقه للكلام يدل على إرادته، و إنما لم تدخل اللام على (لكن)؛ لأنها لاستدراك شيء مما قبلها، و لا تقع في أول الكلام و (إنّ) تدخل في أول الكلام، و اللام تقدر قبلها، فخالفت (لكنّ) (إنّ) في دخول اللام لهذا المعنى، و مما يتضمنه الظرف من الضمير الذي يؤكد ب (كلهم) و (أجمعين) شيء مفهوم و قد ذكرناه في مواضع؛ لأن في الظرف معنى استقر الذي هو فعله و نفسه، إذا كان توكيدا للاسم الظاهر المنصوب فهو جيد لا يحتاج إلى غيرها، و إذا كان توكيدا للضمير المرفوع فهو يحتاج إلى تقدمة ضمير قبل النفس، كقولك إنّ زيدا فيها نفسه، و أما بيت جرير فالشاهد فيه رفع المكرمات و سادة أطهار، على أن زيدا فيها و عمرو.
قال:" و اعلم أنّ لعل و كأن و ليت كلهن يجوز فيهن جميع ما جاء في (إنّ) إلا أنه لا يرفع بعدهن شيء على الابتداء، و من ثم اختار للناس: ليت زيدا منطلق و عمرا، و ضعف عندهم أن يحملوا عمرا على المضمر حتى يقولوا هو، و لم تكن (ليت) واجبة و لا (لعل) و لا (كأن) فقبح عندهم أن يدخلوا الكلام الواجب في موضع التمني، فيصيروا قد ضموا إلى الأول ما ليس على معناه و (لكنّ) بمنزلة (إنّ) و تقول إنّ زيدا فيها لا بل عمرو، و إن شئت نصبت. و (لا بل) تجري مجرى (الواو) و (لا)".
قال أبو سعيد: حمل المعطوف على هذه الحروف على الابتداء يغير المعنى الذي أحدثته هذه الحروف من التمني و التشبيه و الترجي؛ فلذلك لم يحملوه على الابتداء، ألا ترى أنّا لو قلنا ليت زيدا منطلق و عمرو مقيم على عطف جملة على جملة كان عمرو مقيم خارجا عن التمني، و لك أن تعطف الاسم على الضمير الذي في الخبر إذا أكّدته إذ كان ما بعده عوضا من التأكيد، و لا نخرج عن معنى الأول؛ كقولك ليت زيدا خارج هو و عمرو.
هذا باب تستوي فيه هذه الحروف الخمسة
و ذلك قولك إنّ زيدا منطلق العاقل اللبيب، فالعاقل اللبيب يرتفع على وجهين؛ على الاسم المضمر في منطلق، كأنه بدل منه، فيصير كقولك مررت به زيد، إذا أردت جواب بمن مررت، فكأنه قيل له من ينطلق فقال زيد، و إن شاء رفعه على