شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٥٧
متشابهين لرجلين إذا يعلم أحدهما على ثوبه و ترك الآخر العلامة، كان تعريته من العلامة علامة له. فأمّا المبتدأ فالابتداء يرفعه، و أمّا خبر المبتدأ فمن أصحابنا من يقول: إن الابتداء يرفع الاسم و الخبر جميعا، و قال أبو العباس محمد بن يزيد: إن الابتداء يرفع المبتدأ، و المبتدأ و الابتداء يرفعان الخبر.
و لسيبويه فيه عبارات مختلفة مشتبهة يوهم بعضها أن الخبر يرفعه المبتدأ، و ذلك قوله:" فإن المبني عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، يعني يرتفع بالمبتدأ" و يوهم بعضهم أن الابتداء يرفع المبتدأ و الخبر لقوله:" و ارتفع المنطلق" و هو يعني خبر الابتداء؛ لأنّ المبنيّ على المبتدأ بمنزلته.
و فيه وجه حسن آخر ليس في شيء مما ذكرته في غير هذا الموضع و لا رأيته لأحد، و هو أن التعرية الموجبة للرفع قد وقعت على المبتدأ و الخبر؛ لأنّ الخبر- أيضا- لم يدخل عليه عامل لفظيّ؛ لأنّ الاسم المبتدأ ليس بعامل، فكان في كل واحد منهما تعرية، و يدلّك على ذلك أن أصحابنا لا خلاف بينهم أن خبر المبتدأ قد يتقدم عليه و يرتفع بما كان يرتفع به، و قد علمنا أن العامل الضعيف لا يعمل فيما قبله، و الابتداء و المبتدأ ليس بأقوى من إنّ و أخواتها، و أخبارها لا تتقدم عليها و إنما جاز تقديم خبر المبتدأ لأنّ فيه من التعرية مثل ما في المبتدأ، و يقوّي هذا قول سيبويه:" لأن المبنيّ على المبتدأ بمنزلته" و على نحو هذا سوى الكوفيون بين الابتداء و الخبر، فجعلوا كل واحد منهما رافعا للآخر، أيّهما تقدّم رفع الذي بعده، و أيّهما تأخر رفع الذي قبله. قال: و زعم الخليل أنه يستقبح أن يقول: قائم زيد و ذاكر، إذا لم يجعل قائما مقدّما مبنيا على المبتدأ، كما يؤخّر و يقدّم فيقول: ضرب زيدا عمرو، و عمرو على ضرب مرتفع، و كان الحدّ أن يكون الابتداء مقدما، و يكون زيد مؤخّرا، و كذلك هذا الحدّ فيه أن يكون الابتداء فيه مقدما. و هذا عربي جيّد، و ذلك قولك: تميمي أنا، و مشنوء من يشنؤك، و أرجل عبد اللّه، و خذ صنعتك.
يريد أنّ قولك: قائم زيد قبيح إن أردت أن تجعل قائم هو المبتدأ، و زيد خبره أو فاعله، و ليس بقبيح أن تجعل قائم خبرا مقدما، و النية فيه التأخير كما تقول: ضرب زيدا عمرو، و النية تأخير زيد الذي هو مفعول، و تقديم عمرو الذي هو فاعل، و ذلك قولك: تميميّ أنا، و مشنوء من يشنؤك أرجل عبد اللّه، و خذ صنّعتك؟، و قال بعد تقديم