شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٣٧
و من ذلك: ما مررت برجل، و لكن حمار، و أبدلت الآخر من الأول و جعلته مكانه).
و قال في الباب: (و من المبدل- أيضا- قولك: قد مررت برجل أو امرأة، إنما ابتدأ بيقين، ثم جعل مكانه شكا أبدله منه، فصار الادعاء فيهما سواء)، و اعتمد على أن ابتداء الكلام إذا كان يوجب أمرا ثم جاء بما يبطله، و يوجب الثاني نحو: بل، و لا بل، فهو بدل شبيه بدل الغلط الذي بدأ به، و هو في معناه، و جعل لكن كذلك لأنه أوجب و حقق إبطال الأول.
و (بل) و (لكن) إذا كان قبلهما جحد فهما في المعنى سواء كقولك: ما مررت برجل بل عمرو، و ما مررت بزيد لكن عمرو، و جعل أو من الباب، لأنك بدأت بالأول على لفظ اليقين ثم شككت فيه، و التشكيك فيه كالإبطال له، و لهذا شبه (أو) ب (لكن) حين قال في (أو) (ابتداء بيقين ثم جعل مكانه شكا)، فهو شبيه بقوله: ما مررت بزيد و لكن عمرو، ابتدأ بنفي ثم جعل مكانه يقينا.
فإن قال قائل: فهلا جعل قولك: مررت بزيد لا عمرو من هذا؛ لأنه نفي بعد الإيجاب بمنزلة التوكيد للإيجاب المتقدم، كما أن قولك: هذا زيد لا شك فيه، كقولك: هذا زيد حقا، فقولك: مررت بزيد لا عمرو، كقولك: مررت بزيد حقا.
فأما قول سيبويه: (و قد يكون فيه الرفع على أن يذكر الرجل)، و ذكر الفصل.
قال المفسر: و جعل سيبويه رفعه بإضمار اسم مكنيّ يكون الظاهر خبره، و يكون ذلك المكني على ضربين:
أحدهما: أن يكون قد جرى ذكره فيضمر الاسم الذي ذكره.
و الآخر: أن تعرف المعنى فيضمر ذلك المعنى و إن لم يجر ذكره.
فأما ما جرى ذكره فأضمر: فهو الكلام المعروف و هو تمثيله برجل يذكر فيقول:
أنت قد مررت به، و قد مررت برجل بل هو حمار، و يكون هو الرجل المذكور.
و أما الذي أضمر و لم يذكر، فقولك: ما مررت ببغل و لكن حمار، تريد: و لكن هو حمار، معناه: لكن الذي مررت به حمار لأن قولك: ما مررت ببغل قد دلّ عليه فكني لدلالة الكلام عليه، و جعل الأقوى في الكناية ما جرى ذكره لقرب المكني بالذكر و إضمار الذي لم يجز ذكره عربي جلي. لأن معناه ما مررت بشيء هو بغل فجاز هذا، و إن لم يجز ذكره كما جاز في المنعوت الذي جرى ذكره نحو: ما مررت برجل صالح بل طالح،