شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٣٤
ناس يزعمون أن اللّه تعالى خلق السموات قبل الأرض، و أن قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ لم يجب ب (ثم) تأخير خلق السماء منه و منهم مقاتل بن سليمان، و منه دعوى من يدعي أن (ثم) لا توجب تأخير ما بعدها من قوله تعالى: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى و قد علم أن الاهتداء يتأخر عن التوبة و الإيمان و العمل الصالح، و قوله تعالى: وَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ و ليست التوبة متأخرة عن الاستغفار.
قال أبو سعيد: هذا كله يخرج على الموضع الصحيح في (ثم) من تأخيرها ما بعدها عما قبلها بتأويل يشهد به كلام العرب، أما قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ*، فإن الاستواء بمعنى الاستيلاء كان، أو بمعنى غيره لا يصح إلا على الموجودات بعد خلقه إياها، و العرش داخل في خلق السموات و الأرض، ثم صرفها و دبرها كيف شاء قاهرا لها.
و قال الفراء: (ثم) تدل على تأخير الخبر في كلام المخبر على أنه متأخر في أصل البنية فتقديره في التلخيص: هو الذي خلق السموات و الأرض، ثم اسمعوا إذا الخبر الأخير الذي ذكر لكم بعد الخبر الأول، و هو أنه استوى على العرش، ف (ثم) أوجبت تأخير كلام بعد كلام، و إفادة بعد إفادة. و مثله من كلام العرب أن الإنسان يعدّد إحسانه فيقول: فعلت بك اليوم و أعطيتك، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر، و أما قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ فليس التولي: الانصراف عنهم، و إنما معناه: تنحّ عنهم بعد إلقاء الكتاب إليه، بحيث يكون عنك بمرأى و مسمع، فانظر ما ذا يرجعون من جواب الكتاب.
و أما خلق اللّه الأرض قبل السماء على ظاهر قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ، فهو الصحيح الذي أقول به، و هو المأثور عن ابن عباس، و مجاهد،
[١] سورة فصلت، الآية: ١١.
[٢] سورة طه، الآية: ٨٢.
[٣] سورة هود، الآية: ٩٠.
[٤] سورة الأعراف، الآية: ٥٤- و يونس: ٣- و الرعد: ٢- و الفرقان: ٥٩- و السجدة: ٤- و الحديد: ٤.
[٥] سورة النمل، الآية: ٢٨.
[٦] سورة فصلت، الآية: ١١.