شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٠٧
كما قال اللّه تعالى: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي أي: من أصحابه و جيرانه، و لا ينتظم معنى ذلك إلا بما قدّره سيبويه لأن ضميره من أصحابه في صحبته إياه في مقدار هذه المسافة، و اعلم أن ظروف الزمان تكون أخبارا للمصادر، و لا تكون أخبارا للجثث، و أما ظروف المكان فتكون أخبارا للمصادر و الجثث، و إنما كانت ظروف المكان كذلك لأن الجثة الموجودة قد تكون في بعض الأمكنة دون بعض مع وجودها، أعني الأماكن.
ألا ترى أنك إذا قلت: زيد خلفك علم أنه ليس قدّامه و لا تحته و لا فوقه و يمنته و يسرته مع وجود هذه الأماكن، ففي إفراد الجثة بمكان فائدة. و أما ظروف الزمان فإنما يوجد منها شيء بعد شيء و وقت بعد وقت، و ما وجد منها فليس شيء من الموجودات أولى به من شيء فلو قلت: زيد الساعة أو يوم الأحد لجعلت ل (زيد) في هذا اليوم حالا ليست لعمرو، و ليس كذلك لأن زيدا و عمرا و غيرهما من الموجودات تتساوى في الوصف بالوجود في هذا اليوم، و أما المصادر فهي أشياء حادثة معروفة بالأفعال في المضي و الاستقبال.
فإذا قلنا: القتال يوم الجمعة، و إنّا نريد الدلالة على حدوثه في هذا اليوم، كأنّا قلنا:
القتال يحدث يوم الجمعة.
قال سيبويه: (و تقول الهلال الليلة).
كأنه يجعل الليلة ظرفا للهلال و الهلال جثة لأنه جزء من القمر. فهو جثة كأنه في استهلاله أو تصوره لهذه الصورة الليلة، فإن رفعت فقلت: القتال يوم الجمعة، و الهلال الليلة جاز على معنى: قتال يوم الجمعة، و الهلال الليلة ثم تحذف، و قد أجاز سيبويه اليوم الجمعة، و اليوم السبت بنصب اليوم، و لم يجز في الأحد و الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس إلا الرفع، و إنما ذاك لأن الجمعة بمعنى الاجتماع، و السبت بمعنى الراحة، فهما مصدران يقعان في اليوم بمنزلة قولك: اليوم القتال، فأما اليوم الأحد فبمنزلة اليوم الأول، و الاثنين بمنزلة الثاني، و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس بمنزلة الثالث و الرابع و الخميس، و ليس ذلك بمعنى: يقع في اليوم، كالاجتماع و الراحة، و أجاز الفراء و هشام النصب في جميع ذلك، فإذا رفع جعل الثاني هو الأول، و إذا نصب فعلى معنى الآن الأحد
[١] سورة إبراهيم، الآية: ٣٦.