شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٥٨
باب سقيا لا يطّرد فيه القياس، فيقال طعاما و شرابا، و قد ذكر هذا فيما تقدم.
و كان أبو العباس يجيز هذا في كلّ شيء دلّ عليه الفعل فأجاز أن تقول: أتانا سرعة، و أتانا رجلة، و لا تقول: أتانا ضربا و لا أتانا ضحكا، لأن الضرب و الضحك ليس من ضروب الإتيان و السرعة، و الرّجلة من ضروب الإتيان، لأنّ الآتي ينقسم إتيانه إلى سرعة أو إبطاء أو توسّط، و تنقسم إلى رجلة و ركوب، و لا ينقسم إلى الضرب و الضحك.
و كان يقول: إنّ نصبك مشيا إنما هو بالفعل المقدّر كأنه قال: أتانا يمشي مشيا، و كان يدّعي أنّ هذا القياس قول النحويين.
و كان الزجاج يذهب إلى تصحيح مذهب سيبويه و هو الصواب؛ لأن قول القائل:
أتانا زيد مشيا يصح أن يكون جوابا لقائل قال: كيف أتاكم زيد؟ و كذلك: كيف لقيت زيدا؟ فتقول: فجاءة، إنما تقع للحال؛ فكأنه قال مفاجئا، و لو كان على ما قال المبرّد: إنّ الناصب للمصدر الفعل المضمر و أن ذلك الفعل المضمر في موضع الحال لجاز أن تقول:
أتانا زيد المشي، و هو لا يجيز هذا، و على قياسه يلزمه ذلك؛ لأنه يكون تقديره: أتانا زيد يمشي المشي، و الفعل يتعدّى إلى المصدر المحض الذي ليس فيه معنى الحال معرّفا و منكّرا.
قال أبو سعيد- رحمه اللّه-: و الذي عندي أنه يجوز أن تنصب مشيا و فجاءة على المصدر من غير الوجه الذي ذكره أبو العباس، و هو أن تجعل" أتى" في معنى: مضى إليّ، و يكون" مشيا" مصدرا له، و كذلك لقيته فجاءة، كأنه قال فاجأته مفاجأة على نحو ما تقدّم من المصدر الذي من غير لفظ الفعل المذكور، كقولهم: تبسّمت و ميض البرق، و ما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: فهل تجيز أن تقول جاءني زيد المشي، و لقيته الفجاءة إذا كان المصدر لا يمنع عمل الفعل فيه، و إن كان معرفة؟
قيل له: لا يجوز هذا لأنّ هذا المصدر لا يجوز استعماله في كل مكان على ما حكاه سيبويه من أنّه لا يقال: أتانا سرعة، و إنما هو شيء استعمل في غير موضعه فلم يتجاوز فيه ما استعملوه، و مثل ذلك قول الشاعر، و هو زهير: