شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٣٨
و سعديك مأخوذ من المساعدة و المتابعة، فإذا قال الإنسان لبّيك و سعديك فكأنه قال: دواما على طاعتك و إقامة عليها مرّة بعد مرة و كذلك سعديك، أي: مساعدة لك بعد مساعدة، و متابعة بعد متابعة، و إنما يعبّر عن هذه الأشياء باللفظ الذي يقرب معناه منه فيمثّل به و يطلب له الاشتقاق و ما يقدّر فيه من الفعل لو أتى به آت لم يحسن و لم يك واقعا ذلك الموقع كما وقع سقيا مكان سقاك اللّه، و رعيا مكان رعاك اللّه؛ فهذا الذي أحوج سيبويه و غيره إلى تطلّب التّقديرات المقرّبة للمعنى و ليوقف على وجه النصب؛ فقال سيبويه مرّة: (كأنه إذا قال الرجل للرّجل: يا فلان، فقال: لبيك و سعديك، فقد قال: قربا منك و متابعة لك، فهذا تمثيل، و إن كان لا يستعمل في الكلام كما كان براءة اللّه تمثيل سبحان اللّه و إن لم يستعمل ذلك استعمال سبحان اللّه).
و قال مرّة: (و كذلك إذا قال: لبّيك و سعديك يعني بذلك اللّه تعالى، فكأنه قال:
لا أنأى عنك يا ربّ في شيء تأمرني به، فإذا فعل ذلك فقد تقرّب إلى اللّه عزّ و جلّ بهواه).
يعني بإرادته و قصده.
(و أما قوله و سعديك فكأنّه يقول: أنا متابع أمرك و أولياءك غير مخالف، فإذا فعل ذلك فقد تابع و طاوع، و إنّما حملنا على تفسير معنى لبيك و سعديك لنوضح به وجه نصبهما لأنّهما ليسا بمنزلة سقيا و حمدا و ما أشبه ذلك.
ألا ترى أنّك تقول للسائل في تفسير سقيا و حمدا إنما هو سقاك اللّه سقيا و أحمد اللّه حمدا، فحمدا بدل من أحمد، و سقيا بدل من سقاه اللّه، و لا تستطيع أن تقول: ألبّك لبّا، و لا أسعدك سعدا.
و لا تقول: سعد بدل من أسعد، و لا لبّ من ألبّ، فلمّا لم يكن ذلك التمييز له شيء من غير لفظه معناه كبراءة حين ذكرتها لتبيّن معنى سبحان اللّه، و التمست للبّيك و سعديك غير اللّفظ الذي اشتقّا منه إذ لم يكونا فيه بمنزلة الحمد و السقي في فعليهما، و لا يتصرفان تصرّفهما، و معناهما: القرب و المتابعة فمثّلت بهما النصب في سعديك و لبيك كما مثّلت النصب في سبحان اللّه ببراءة اللّه).
و ممّا يقوّي إفراد حنان أنّ الفعل في حنان قد يستعمل فيقال: تحنّن أي: ارحم، قال الشاعر: