شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢١٩
و الذي تعلم، لأنّ الابتداء إنّما هو خبر).
قال أبو سعيد: يعني هذه المصادر التي ذكرها اختارت العرب فيها الرّفع؛ لأنّهم جعلوها كالشيء اللّازم الواجب فأخبروا عنها، و جعلوها مبتدأة و جعلوا ما بعدها خبرها و صار بمنزلة قولك: الغلام لزيد، ثم وصل ذلك من جهة الابتداء فقال: و إذا اجتمع معرفة و نكرة فأحسنه أن يبتدأ بالأعرف و هو وجه الكلام، و معنى يبتدأ بالأعرف أن تجعله هو المبتدأ المخبر عنه و إن أخّر في اللفظ، و كذلك لو وقع بعد كان و إنّ فالوجه: أن تجعل الأعرف هو الاسم كقولك: كان زيد منطلقا، و كان منطلقا زيد، و لم يحسن أن تقول: كان منطلق زيدا؛ لأنّك إنما تخبر عمّن يعرفه المخاطب بما لا يعرفه من شأنه حتّى يعرفه فيساويك فيه و في خبره.
و فائدة الإفادة من المتكلم للمخاطب في الخبر، و لو جعل الاسم نكرة و الخبر معرفة و الاسم لا يستفيده المخاطب لم يصر المخاطب بمنزلة المتكلم في معرفة ما أفاده إياه.
قال: (و لو قلت: رجل ذاهب، لم يحسن، لأنه لا فائدة فيه، فإن قرنته بشيء يقرّبه من المعرفة و تقع به فائدة جاز؛ فتقول: راكب من بني فلان سائر، و تبيع الدّار فتقول: حدّ منها كذا و حدّ منها كذا، فأصل الابتداء للمعرفة فإذا أدخل فيه الألف و اللام حسن الابتداء).
يعني أنّ الذي حسّن الابتداء في:" الحمد للّه، و العجب و الويل لزيد" دخول الألف و اللام فيه، و إذا نكّر ضعف الابتداء بالنكرة إلا أن يكون في المنكور المبتدأ به معنى المنصوب كنحو ما ذكرنا، و قولهم: سلام عليكم، و ويل لزيد، و خيبة لزيد؛ لأن هذه أشياء يدعى بها و يجوز فيها النّصب، فإذا رفع و ذهب به مذهب الدعاء جرى مجرى المنصوب في حسنه و إن كان الابتداء بنكرة، و قد مضى نحو هذا.
قال سيبويه: (و ليس كلّ حرف يصنع به كذلك، كما أنه ليس كلّ حرف تدخل فيه الألف و اللّام من هذا الباب، لو قلت: السقي لك و الرعي لك لم يجز).
قال أبو سعيد: اعتماد سيبويه في هذا و نحوه على استعمال العرب فيما استعملته على وجه لم يجاوزه و لم يجز غيره قياسا، و ما استعملته على وجهين أو أكثر جاز من ذلك ما استعملوه، و لم تستعمل العرب السقي لك، و الرعي لك، فلم يجزه، و أجازه الجرميّ و المبرّد، و قد ذكرنا الاحتجاج لذلك فيما مضي.