شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٠٩
الفعل و جعلت بدلا من اللفظ بالفعل على مذهب أرادوه من الدّعاء، فلا يجوز تجاوزه؛ لأنّ الإضمار و الحذف اللازم و إقامة المصادر مقام الأفعال حتّى لا تظهر الأفعال معها ليس بقياس مستمرّ فيتجاوز فيه الموضع الّذي لزموه.
قال: (و مثله عددتك، و كلتك، و وزنتك، و لا تقول: وهبتك، لأنّهم لم يعدّوه، و لكن وهبت لك).
و كان المبرد يقول: إنّما قالوا: عددتك، و وزنتك، و كلتك في معنى: عددت لك، و كلت لك، و وزنت لك، لأنّه لا يشكل، و لم يقولوا: وهبتك في معنى: وهبت لك، لأنّه يجوز أن يهبه، فإذا زال الإشكال زال، و هو أن يقول: وهبتك الغلام، أي: وهبت لك، و إنّما ذكر سيبويه كلام العرب أنّهم يحذفون حرف الخفض في عددتك و وزنتك و كلتك و إن لم يذكر المعدود و المكيل و الموزون، كما قال عزّ و جلّ وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ.
و لا يجوز مثل ذلك في وهبتك، لأنّ ما كان أصله متعدّيا بحرف لم يجز حذفه، و إن لم يكن ليس إلا فيما حذفته العرب، ألا ترى أنه لا يجوز مررتك و لا رغبتك على معنى: رغبت فيك، و حكى أبو عمرو الشّيباني عن بعض العرب: انطلق معي أهبك نبلا، يريد أهب لك نبلا و هذا يؤيد قول أبي العبّاس.
قال سيبويه: (و هذا حرف لا يتكلّم به مفردا إلا أن يكون معطوفا على ويلك، و هو قولك: ويلك و عولك).
و هذا كالإتباع الذي لا يؤتى به إلا بعد شيء يتقدمه، نحو: أجمعين و أكتعين، فإن قال قائل: عولك لا يجري مجرى الإتباع لأمرين:
أحدهما: أن فيه الواو، و الإتباع المعروف لا يكون بعد واو.
و الآخر: أن عولك معنى معروف، لأنّه من عال يعول، كما تقول جاز يجوز، و العول هو: البكاء، و الحزن معروف.
[١] سورة المطففين، الآية: ٣.
[٢] إسحاق بن مراد أبو عمرو الشيباني الكوفي يعرف بأبي عمرو و الأحمر و ليس من شيبان بل أدب أولادا منهم فنسب إليهم كان راوية أهل بغداد واسع العلم باللغة و الشعر له النوادر- النوادر الكبير أشعار القبائل. الفهرست: ٦٨، معجم الأدباء ٦: ٧٧، تهذيب اللغة ١: ٦.