شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٠
و الوجه الثالث: أن يكون في معنى النقل، فتقول: جعلت الطين خزفا أي صيرته خزفا، و نقلته عن حال إلى حال و قال اللّه عز و جل: اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [١] أي صيّره آمنا و انقله عن هذه الحال.
فأما الثلاثة الأوجه التي ذكرها سيبويه فوجهان فيها يرجعان إلى الوجه الأول مما ذكرناه، و هو أن تجعل" جعلت" متعدّيا إلى واحد، غير أن معنى الوجهين اللذين ذكرهما سيبويه مختلف، و إن كانا يجتمعان في التعدي إلى واحد، فأحد الوجهين هو الأول الذي قال فيه:" إن شئت جعلت فوق في موضع الحال" فيكون معناه عملت متاعك عاليا، كأنك أصلحت بعضه و هو عال، فيكون فوق في موضع الحال كما تقول: عملت الباب مرتفعا أي أصلحته، و هو في هذه الحال.
و الوجه الثاني من هذين الوجهين هو الثالث مما ذكره سيبويه في قوله:" و إن شئت نصبته، على أنك إذا قلت:" جعلت متاعك" يدخله معنى: ألقيت متاعك بعضه فوق بعض، لأن" ألقيت" كقولك: أسقطت متاعك بعضه فوق بعض".
فيكون هذا متعديا إلى مفعول.
و هو منقول من سقط متاعك بعضه فوق بعض.
فهو يوافق الوجه الأول في التّعدي إلى مفعول واحد، و يخالف في غير ذلك، لأنك لم تعمل المتاع هاهنا؛ لإصلاح شيء منه و تأثير فيه، كما تعمل الباب بنجره و نحته و قطعه، و" فوق" في هذا كالمفعول، لا في موضع الحال؛ لأنه في جملة الفعل الذي هو" ألقيت"؛ لأنه منقول من" سقط متاعك بعضه فوق بعض"، و السقوط وقع على فوق، و عمل فيه على طريق الظرف، و في المسألة الأولى لم يعمل فيه" جعلت"، إنما عمل فيه الاستقرار و صار في موضع الحال، فهذان الوجهان كوجه واحد. و قوله:" و إن شئت نصبت على ما نصبت عليه" رأيت زيدا وجهه أحسن من وجه فلان".
فتعديه إلى مفعولين من جهة النقل و العمل، كما تقول:" صيّرت الطين خزفا"، و إنما حملنا هذا الوجه على هذا؛ لأنه في ذكر" جعلت" الذي في معنى" عملت و أثّرت".
قال: و الوجه الثالث أن تجعله مثل:" ظننت متاعك بعضه أحسن من بعض".
[١] سورة البقرة، آية: ١٢٦.