شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٩
قال: (فهذا عربي حسن و الأول أكثر و أعرب).
يعني الإنشاد في هذه الأبيات على البدل، و لو رفع على الابتداء لكان أكثر و أعرب فتقول: هلكه هلك واحد، و" ما ألفيتني حلمي مضاع"، يكون" حلمي مضاع" في موضع الحال، و" تؤخذ كرها أو تجيء طائعا"، على معنى أنت تؤخذ كرها، فتكون" أنت تؤخذ كرها" في موضع الحال من المبايعة.
قال: (و تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض، فله ثلاثة أوجه في النصب: إن شئت جعلت" فوق" في موضع الحال، كأنه قال: عملت متاعك و هو بعضه على بعض، أي في هذه الحال، كما فعلت ذلك في رأيت، و إن شئت نصبت كما نصبت عليه" رأيت زيدا وجهه أحسن من وجه فلان".
و إن شئت نصبته على أنك إذا قلت: جعلت متاعك يدخله معنى" ألقيت"، فيصير كأنك قلت: ألقيت متاعك بعضه فوق بعض، لأن" ألقيت" كقولك: أسقطت متاعك بعضه على بعض، و هو مفعول من قولك: سقط متاعك بعضه على بعض).
قال أبو سعيد: اعلم أن" جعلت" تكون بمعنيين، بمعنى صنعت و عملت، و معنى صيّرت، فإذا كانت بمعنى صنعت فهي تتعدى إلى مفعول واحد، قال اللّه عز و جل:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ [١] بمعنى صنع و خلق، و قال: وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [٢].
و إذا كانت بمعنى" صيرت" تعدت إلى مفعولين، لا يجوز الاقتصار على أحدهما و هي في هذا الوجه تنقسم على ثلاثة أقسام، كما تنقسم" صيرت". أحدها بمعنى" سمّيت" كقوله: وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [٣] أي صيروهم إناثا بالقول و التسمية، كما تقول:" جعل زيد عمرا فاسقا" أي صيره بالقول كذلك.
و الوجه الثاني: أن تكون على معنى الظن و التخيل كقولك:" اجعل الأمير عاميا و كلمه" أي صيّره في نفسك كذلك.
[١] سورة الأنعام، آية: ١.
[٢] سورة الأعراف، آية: ١٨٩.
[٣] سورة الزخرف، آية: ١٩.