شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٧٠
قال: (و من ذلك قولك: إيّاك و الأسد، و إياك و الشرّ).
و أما قوله: إيّاك و الأسد فإنه يضمر فعلا ينصب به إياك، كما قدّمنا، و يعطف الأسد على إياك كأنه قال: زيدا فاضرب و عمرا.
فإن قال قائل: إذا جعلت الأسد عطفا على إياك بالواو فقد شاركه في معناه. لأن المعطوف بالواو يشارك المعطوف عليه. ألا ترى أنّك تقول: ضربت زيدا و عمرا؛ فالضرب واقع عليهما جميعا، فينبغي أن يكون الأسد مشاركا لإياك؛ فيكون الأسد مشاركا مخوفا كما كان المخاطب، أو يكون المخاطب محذورا مخوفا كما أن الأسد محذور مخوف.
قيل له: لا يستنكر أن يكون التخويف واقعا بهما و إن كان طريق التخويف مختلفا؛ ألا ترى أنك تقول: خوّفت زيدا الأسد؛ فزيد مخوّف و الأسد مخوّف و ليس معناهما واحدا إلّا أن الأسد مخوّف منه و زيد مخوّف، على معنى أنه يجب أن يحذر منه، و لفظ خوّفت قد تناولهما جميعا، و كذلك إياك و الأسد المعنى الناصب لهما معنى واحد و إن كان طريق التخويف مختلفا فيهما.
و أمّا إياك و الشر فليس يخاطب نفسه و لا يأمرها، و إنما يخاطب رجلا يقول له:
إيّاك باعد عن الشرّ فينتصب إيّاك بباعد و ما أشبهه، و تحذف حرف الجر من الشرّ و توقع الفعل المقدّر عليه فيعطفه على الأوّل لأنّ الفعل قد وقع على الأول.
و مثله: إياي و أن يحذف أحدكم الأرنب، يعني: يرميه بسيف أو ما أشبهه، و أن في موضع نصب كأنّه قال: إيّاي و حذف أحدكم.
و زعم الزجّاج أنّ معناه:" إيّاي و إيّاكم و أن يحذف أحدكم الأرنب" و الذي قاله لا يحتاج إليه؛ لأن قوله و أن يحذف أحدكم قد دلّ على أنهم حذّروا من فعلهم أن يأتوه إلى المتكلم.
(و زعم أن بعضهم يقال له: إياك، فيقول: إيّاي) كأنّه أعاد لفظ المتكلم لما قيل له منه و استجاب له، كأنّه قال: إياي احذر احفظ، و حذفهم الفعل الناصب لإيّاك لما كثر
[١] هو إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج له معاني القرآن توفي ٣١١ ه معجم الأدباء ١: ١٣٠، الفهرست ٦٠، مراتب النحويين ١٣٦.