شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٥٠
أحدهما: أن قولك: حذرك إنّما هو: احذر و قد جعله سيبويه نهيا.
قال أبو العباس:" فإن قال قائل فمعنى احذر: لا تدن منه" قيل: و كذلك عليك معناه: لا يفوتنك، و كلّ أمر أمرت به فأنت ناه عن خلافه، و إذا نهيت عن شيء فقد أمرت بخلافه، فقد يجوز في الأمر أن يقال نهي و في النهي أن يقال أمر على المعنى، فإذا كان كذلك فلا وجه للتفصيل الذي فصل به سيبويه بين الأمر و النهي.
و الوجه الآخر: أنه وضع في هذا الباب ما لم يؤخذ من أمثلة الفعل، و حذرك مأخوذ من الحذر فهو خارج من هذا الباب؛ لأن هذا الباب عليك و دونك.
و ليس الأمر على ما ردّه أبو العباس في الوجهين جميعا.
أما الوجه الأول فقد ذكرنا أن ألفاظا من ألفاظ الأمر الأكثر في عادة كلام الجمهور أن يقال: نهى و إن كان بلفظ الأمر كقولك: تجنب فلانا، و احذر فلانا، و ابعد عن فلان فإنما يقال: نهاه عنه؛ فجرى سيبويه على اللفظ المعتاد.
و أما الوجه الآخر فإنما غرّ سيبويه في هذا الباب تفصيل المضاف من المفرد الذي قبله لأنه قد ذكر ظروفا و أسماء كلها مضافات، و قد ترجم الباب بقوله: بأسماء مضافة.
(و أما ما لا يتعدّى فقولك: مكانك، و بعدك إذا قلت: تأخّر، و كذلك عندك إذا كنت تحذّره شيئا من بين يديه أو تبصّره شيئا، و إليك إذا أردت تنحّ، و وراءك إذا قلت: افطن لما خلفك).
و قد ذكر سيبويه عندك فيما يتعدى، و قد ذكره فيما لا يتعدى و هذا غير مستنكر و ذلك أنه قد يكون فعل واحد متعديا و غير متعدّ؛ كقولك: علقتك و علقت بك و جئت زيدا و جئت إلى زيد.
قال: (و حدثنا أبو الخطاب أنه سمع من يقال له: إليك فيقول إليّ كأنه قيل له:
تنحّ فقال: أتنحّى، و لا يقال: دوني و لا عليّ هذا، إنما سمعناه في هذا الحرف وحده و ليس لها قوة الفعل فتقاس).
اعلم أن هذه الأسماء و الحروف التي تضمّنها هذا الفصل و ما قبله من المفرد و المضاف لا يجوز أن تقع إلا في أمر المخاطب هذا حكمه و بابه، و ذلك من قبل أنّ أمر المخاطب يقع بالفعل المحض من غير حرف يدخل عليه، و أمر الغائب لا يقع إلا بحرف ألا ترى أنك تقول: قم يا زيد و لا يجوز أن تقول: قم يا عمرو إذا كان غائبا و إنما تقول: