شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٠٦
و إنما أراد أن الرجل في قيد و سلسلة في النهار، فكذلك المعنى صيد عليه الوحش في يومين.
قال: (و من ذلك أيضا أن تقول:" كم ولد له؟" فيقول:" ستون عاما"، و المعنى ولد له الأولاد، و ولد له الولد ستين عاما).
فحذف الأول و أقام الستين مقام الأولاد اتساعا.
و من ذلك أن يقول:" كم ضرب به"؟ فتقول:" ضرب به ضربتان" و" ضرب به ضرب كثير".
فمعنى" كم" هاهنا معنى المصدر، كأنه قال:" كم ضربة ضرب به" يريدكم ضرب بزيد، و في" ضرب" ضمير يعود إلى" كم" قد أقيم مقام الفاعل و هو مصدر: فلذلك كان جوابه:" ضرب به ضربتان"، فسبيل المصدر في الاتساع كسبيل الظرف؛ لأنك إذا قلت:
" ضرب بزيد ضرب شديد" فالضرب ليس بمضروب في الحقيقة، و إنما المضروب الذي وقع به الضرب، و جعلت الضرب مفعول:" ضرب" مجازا.
قال: (و مما جاء على اتساع الكلام و الاختصار قوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها [١] و إنما يريد أهل القرية فاختصر، و عمل الفعل في" القرية" كما كان عاملا في" الأهل" لو كان هاهنا).
و قد بينا حذف المضاف و الاكتفاء بالمضاف إليه فيما مضى، و إنما ذكره سيبويه حجة في الاتساع و الاختصار؛ لأن المسألة في اللفظ للقرية و المعنى للأهل، فكذلك قولهم:" ولد له ستون عاما" لفظ" الأولاد" للأعوام، و المعنى للأولاد في الأعوام، على أن بعض الناس يزعم أن ذلك على الحقيقة، و أن مسألة القرية من" يعقوب" عليه السّلام صحيحة؛ لأن القرية يجوز أن تخاطبه؛ إذ كان نبيّا، و تكون مخاطبتها معجزة له.
و لا معنى للتشاغل بنقض هذا الكلام؛ إذ كان جوازه في كلام العرب و غيرهم أشهر من أن تحتاج معه إلى إقامة دليل.
- اللصوص. المقتضى ٤/ ٣٣- رغبة الآمل ٨/ ١٢٢.
[١] سورة يوسف، آية: ٨٢.