شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٠
كأنه لم يذكر، و النحويون يقولون: إن التقدير فيه تنحية الأول- و هو المبدل منه- و وضع البدل مكانه و ليس تقديرهم تنحية الأول على معنى الإلغاء له، و إزالة الفائدة به و لكن على أن البدل قائم بنفسه، غير مبين للمبدل منه تبيين النعت للمنعوت الذي هو تمام للمنعوت، و الدليل على أن المبدل منه لا يلغي أنك تقول:" زيد رأيت أباه عمرا" و تجعل" عمرا" بدلا من" أباه"، فلو كان في تقدير اللغو لكان الكلام زيد رأيت عمرا، و هذا فاسد محال؛ فقد صح أن البدل غير منحّ للأول حتى يكون بمعنى الملغى.
فإن قال قائل: فلأي شيء دخل؟ قيل له: قد يكون للشيء الواحد أسماء من معان يشتق له منها تلك الأسماء فيجوز أن يشتهر ببعض الأسماء عند قوم، و ببعض أسمائه عند آخرين، فإذا جمع الاسمين جميعا على طريق بدل أحدهما من الآخر، فقد بينه بغاية البيان، و ذلك أنه إذا قال:" زيد رأيت أباه عمرا" فقد يجوز أن يكون المخاطب يعرف أبا زيد و لا يعلم أنه عمرو، و قد يجوز أن يكون عارفا بعمرو، و لا يعرف أبا زيد من هو، فإذا أتى بالأمر جميعا عرفه من وجه آخر.
و إذا قال:" رأيت زيدا رجلا صالحا" يجوز أن يكون غرضه أن يبين للناس مروره برجل صالح، و يبين أيضا أنه زيد، و ليس كل من عرف أنه زيد عرف أنه رجل صالح، فأتى بالعلم الذي يعرف به، و بالمذهب الذي هو عليه؛ ليجتمع له بذلك غرضه، فهذا هو القصد في البدل.
و هو يشتمل على أربعة أوجه:
فالوجه الأول: بدل الشيء من الشيء، و هو هو، كقولك:" مررت بزيد رجل صالح"، و" مررت برجل صالح زيد".
و الوجه الثاني: بدل الشيء من الشيء و هو بعضه، كقولك" رأيت زيدا وجهه" و" أتاني بنو تميم أكثرهم".
و بدل الشيء من الشيء و هو مشتمل عليه، كقولك:" سلب زيد ثوبه"، و" أعجبني زيد حسنه"، و المشتمل على الشيء هو الذي تصح العبارة عنه بلفظه عن ذلك الشيء، و ذلك أنك إذا قلت:" سلب زيد" فقد يجوز أن يكون ذلك و أنت تعني الثوب، و إذا قلت:" أعجبني زيد" فإنما تعني كلامه أو حسنه، أو ما أشبه ذلك من أفعاله و هيئاته، أو ما يتعلق به؛ و لا يجوز أن تقول:" ضربت زيدا عبده"؛ و ذلك أنك لا تقول:" ضربت زيدا"