الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٢ - باب مواعظ لقمان على نبيّنا و آله و عليه السلام
ساكتا سكينا عميق النظر طويل الفكر حديد النظر مستغن [١] بالعبر لم ينم نهارا قط و لم يره أحد من الناس على بول و لا غائط و لا اغتسال لشدة تستره و عمق [٢] نظره، و تحفظه في أمره، و لم يضحك من شيء قط مخافة الإثم، و لم يغضب قط و لم يمازح إنسانا قط و لم يفرح بشيء إن أتاه من أمر الدنيا و لا حزن منها على شيء قط، و قد نكح من النساء، و ولد له من الأولاد الكثيرة، و قدم أكثرهم إفراطا، فما بكى على موت أحد منهم، و لم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان إلا أصلح بينهما، و لم يمض عنهما حتى تحاجزا [٣]، و لم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره و عمن أخذه، و كان يكثر مجالسة الفقهاء و الحكماء، و كان يغشي القضاة و الملوك و السلاطين، فيرثي القضاة [٤] مما ابتلوا به و يرحم الملوك و السلاطين لعزتهم بالله و طمأنينتهم في ذلك و يعتبر و يتعلم ما يغلب به نفسه و يجاهد به هواه و يحترز به من الشيطان و كان يداوي قلبه بالتفكر و يداوي نفسه بالعبر و كان لا يظعن إلا فيما يعينه فبذلك أوتي الحكمة و منح العصمة، و إن اللَّه تبارك و تعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار و هدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع و لا يراهم فقالوا: يا لقمان هل لك أن يجعلك اللَّه خليفة في الأرض تحكم بين الناس فقال لقمان: إن أمرني ربي بذلك فالسمع و الطاعة لأنه إن فعل بي ذلك أعانني عليه و علمني و عصمني، و إن هو خير لي قبلت العافية فقالت الملائكة: يا لقمان لم قلت ذلك قال: لأن الحكم بين الناس أشد المنازل من الدين و أكثرها فتنا و بلاء ما يخذل و لا يعان و يغشاه الظلم من كل مكان و صاحبه منه [٥] بين أمرين إن أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم و إن
[١] . في المصدر: مستعبرا بالعبر.
[٢] . في الأصل: و عموق.
[٣] . في المصدر: يحابا.
[٤] . في المصدر: للقضاة.
[٥] . في المصدر: فيه.