الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٧ - باب مواعظ عليّ بن الحسين صلوات اللّه عليهما
أغفلت ذكر من مضى من أسنانك و أقرانك و بقيت بعدهم كقرن أعضب، انظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه، أم هل تراه ذكر خيرا عملوه و عملت [١] شيئا جهلوه، بل حظيت بما حل من حالك في صدور العامة و كلفهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك و يعملون بأمرك، أن أحللت أحلوا و إن حرمت حرموا، و ليس ذلك عندك و لكن أظهرهم عليك و رغبتهم فيما لديك، ذهاب علمائهم و غلبة الجهل عليك و عليهم و حب الرئاسة و طلب الدنيا منك و منهم، أ ما ترى ما أنت فيه من الجهل و الغرة و ما الناس فيه من البلاء و الفتنة، قد ابتليتهم و فتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت، أو يدركوا به مثل الذي أدركت، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه، و في بلاء لا يقدر قدره، فالله لنا و لك، و هو المستعان.
أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم و بين اللَّه حجاب، و لا تفتنهم الدنيا و لا يفتنون بها، رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ كبر سنك و رسوخ علمك و حضور أجلك، فكيف يسلم الحدث في سنه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله،إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (راغبون- خ ل) على من المعول و عند من المستعتب نشكو إلى اللَّه بثنا و ما نرى فيك و نحتسب عند اللَّه مصيبتنا بك.
فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمة صغيرا و كبيرا، و كيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلا، و كيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا، و كيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا ذليلا، ما لك لا تنتبه من نعستك و تستقيل من عثرتك فتقول: و اللَّه ما قمت لله مقاما واحدا أحييت به له دينا أو أمت له فيه باطلا، فهذا شكرك من استحملك، ما أخوفني
[١] . في تحف العقول: هل تراهم ذكرت خيرا علموه و علمت شيئا.