الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٧٢ - الغناء بشعره أفسد مجلس لهو
يجعل لعبد الملك بن مويلك إتاوة ليجيره:
قال أبو عبيدة و حدّثني المنتجع بن نبهان قال: كان السّليك يعطي عبد الملك بن مويلك الخثعميّ إتاوة من غنائمه على أن يجيره فيتجاوز بلاد خثعم إلى من وراءهم من أهل/ اليمن، فيغير عليهم. فمرّ قافلا من غزوة فإذا بيت من خثعم أهله خلوف [١] و فيه امرأة شابة بضّة، فسألها عن الحي فأخبرته، فتسنمها، أي علاها، ثم جلس حجرة [٢]، ثم التقم المحجّة، [٣] فبادرت إلى الماء فأخبرت القوم، فركب أنس [٤] بن مدرك الخثعمي في طلبه فلحقه، فقتله. فقال عبد الملك: و اللّه لأقتلنّ قاتله أو ليدينه، فقال أنس: و اللّه لا أدبه و لا كرامة، و لو طلب في ديته عقالا لما أعطيته. و قال في ذلك:
إني و قتلي سليكا ثم أعقله
كالثور يخضرب لما عافت البقر
غضبت للمرء إذ نيكت حليلته
و إذ يشد على وجعائها [٥] الثّفر [٦]
إني لتارك هامات بمجزرة
لا يزدهيني [٧] سواد الليل و القمر
أغشى الحروب و سربالي مضاعفة
نغشى البنان و سيفي صارم ذكر
الغناء بشعره أفسد مجلس لهو:
أخبرني ابن أبي الأزهر عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن فليح بن أبي العوراء قال:
كان لي صديق بمكة، و كنا لا نفترق و لا يكتم أحد صاحبه سرّا، فقال لي ذات يوم: يا فليح، إني أهوى ابنة عم لي و لم أقدر عليها قط، و قد زارتني اليوم فأحبّ أن تسرّني بنفسك، فإني لا أحتشمك. فقلت: أفعل، و صرت إليهما، و أحضر/ الطعام فأكلنا، و وضع النبيذ فشربنا أقداحنا، فسألني أن أغنيهما، فكأن اللّه- عزّ و جل- أنساني الغناء كلّه إلّا هذا الصوت:
من الخفرات لم تفصح أباها
و لم تلحق [٨] بإخوتها شنارا
فلما سمعته الجارية قالت أحسنت يا أخي، أعد، فأعدته. فوثبت و قالت: أنا إلى اللّه تائبة، و اللّه ما كنت لأفضح أبي و لا لأرفع لإخوتي شنارا. فجهد الفتى في رجوعها فأبت و خرجت، فقال لي: ويحك ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: و اللّه ما هو شيء اعتمدته، و لكنه ألقي على لساني لأمر أريد بك و بها. هكذا في الخبر المذكور.
و قد رواه غير من ذكرته عن فليح بن أبي العوراء، فأخبرني اليزيديّ عن عمه عبيد اللّه قال: كان إبراهيم بن سعدان يؤدب ولد عليّ بن هشام، و كان يغنّي بالعود تأدبا و لعبا، قال: فوجّه إليّ يوما عليّ بن هشام يدعوني،
[١] خلوف: ذهبوا من الحي.
[٢] زيادة في ف: و معناها: جلس ناحية.
[٣] التقم المحجّة: استقبلها، و راح يطويها كأنه يلتقمها.
[٤] كذا في ا، ف. م. و في ب، س «أسد».
[٥] الوجعاء: الدبر.
[٦] الثفر: السير في مؤخر السراج، و كني بذلك عن اعتلائه إياها.
[٧] لا يزدهيني: لا يستخفني.
[٨] ف، هد «و لم ترقع».