الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٦ - يقص قصة مكار أساء جوابه
خزاعة يا أمير المؤمنين؟ قال: و من تعرف فيهم شاعرا؟ فقال: أما من أنفسهم فأبوا الشّيص و دعبل و ابن أبي الشّيص و أما من مواليهم فطاهر و ابنه عبد اللّه. فقال: و من عسى في هؤلاء أن يسأل عن شعره سوى دعبل! هات أيّ شيء عندك فيه. فقال و أيّ شيء أقول في رجل لم يسلم عليه أهل بيته حتى هجاهم، فقرن إحسانهم بالإساءة، و بذلهم بالمنع، و جودهم بالبخل، حتى جعل كل حسنة منهم بإزاء سيئة! قال: حين يقول ما ذا؟ قال حين يقول في المطّلب بن عبد اللّه بن مالك، و هو أصدق الناس له، و أقربهم منه، و قد وفد إليه إلى مصر فأعطاه [١] العطايا الجزيلة، و ولاه و لم يمنعه ذلك من أن قال فيه:
اضرب ندى طلحة الطّلحات متئدا
بلوم مطّلب [٢] فينا و كن حكما
تخرج خزاعة من لؤم و من كرم
فلا تحسّ لها لؤما و لا كرما
قال: فقال المأمون: قاتله اللّه! ما أغوصه و ألطفه و أدهاه! و جعل يضحك، ثم دخل عبد اللّه بن طاهر، فقال له: أيّ شيء تحفظ يا عبد اللّه لدعبل؟ فقال: أحفظ أبياتا له في أهل بيت أمير المؤمنين، قال: هاتها ويحك، فأنشده عبد اللّه قول دعبل:
سقيا و رعيا لأيام الصبابات
أيام أرفل في أثواب لذاتي
أيام غصني رطيب من ليانته
أصبو إلى غير جارات و كنّات
/ دع عنك ذكر زمان فات مطلبه
و اقذف برجلك عن متن الجهالات
و اقصد بكل مديح أنت قائله
نحو الهداة بني بيت الكرامات
وصفه لسفر طويل يعجب المأمون:
فقال المأمون: إنه قد وجد مقالا فقال، و نال ببعيد ذكرهم مالا يناله في وصف غيرهم، ثم قال المأمون: لقد أحسن في وصف سفر سافره، فطال ذلك السفر عليه، فقال فيه:
أ لم يأن للسّفر الذين تحملوا
إلى وطن قبل الممات رجوع!
فقلت و لم أملك سوابق عبرة
نطقن بما ضمت عليه ضلوع
/ تبيّن فكم دار تفرّق شملها
و شمل شتيت عاد و هو جميع
كذاك الليالي صرفهنّ كما ترى
لكل أناس جدبة و ربيع
ثم قال: ما سافرت قطّ إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني في سفري، و هجّيري [٣] و مسلّيتي حتى أعود.
يقص قصة مكار أساء جوابه:
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني المبرّد و محمد بن الحسن بن الحرون [٤] قالا: قال دعبل:
[١] زائدة في م، أ.
[٢] ب، س «حطلب»، تحريف.
[٣] هجيري: دأبي، و عادتي. م. أ «في سفري و مسليتي».
[٤] ساقطة في م، أ.