الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٥٤ - يأبى معاوية أن يفرض له ثم يعود فيجيبه إلى طلبه
أشعر ما قيل في الغيرة قول مسكين الدارمي:
ألا أيها الغائر المستش
يط فيم تغار إذا لم تغر؟
فما خير عرس إذا خفتها
و ما خير عرس إذا لم تزر؟
/ تغار على الناس أن ينظروا
و هل يفتن الصالحات النظر؟
و إني سأخلي لها بيتها
فتحفظ لي نفسها أو تذر
إذا اللّه لم يعطني حبّها
فلن يعطي الحبّ سوط ممرّ [١]
يأبى معاوية أن يفرض له: ثم يعود فيجيبه إلى طلبه:
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدّثني عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد قال: حدّثني عبد اللّه بن مالك الخزاعي قال: حدّثني عبد اللّه بن بشير قال: أخبرني أيوب بن أبي أيوب السعديّ قال:
لما قدم مسكين الدارميّ على معاوية فسأله أن يفرض له فأبى عليه، و كان لا يفرض إلّا لليمن، فخرج من عنده مسكين و هو يقول:
أخاك أخاك إن من لا أخاله
كساع إلى الهيجا بغير سلاح
و إن ابن عم المرء فأعلم جناحه
و هل ينهض البازي بغير جناح؟
و ما طالب الحاجات إلّا مغرّر [٢]
و ما نال شيئا طالب كنجاح [٣]
/ قال السعديّ: فلم يزل معاوية كذلك حتى غزت اليمن و كثرت، و ضعضعت عدنان، فبلغ معاوية أن رجلا من أهل اليمن قال يوما: لهممت [٤] ألا أدع بالشأم أحدا من مضر، بل هممت ألّا أحل حبوتي حتى أخرج كل نزاريّ بالشأم، فبلغت معاوية، ففرض من وقته لأربعة آلاف رجل من قيس سوى خندف، و قدم على تفئية [٥] ذلك عطارد بن حاجب على معاوية، فقال له: ما فعل الفتى الدارميّ الصبيح الوجه الفصيح/ اللسان؟ يعني مسكينا، فقال:
صالح: يا أمير المؤمنين، فقال: أعلمه أني قد فرضت له في شرف العطاء و هو في بلاده؛ فإن شاء أن يقيم بها أو عندنا فليفعل، فإنّ عطاءه سيأتيه، و بشّره أني قد فرضت لأربعة آلاف من قومه من خندف؛ قال: و كان معاوية بعد ذلك يغزي اليمن في البحر، و يغزي قيسا في البرّ، فقال شاعر اليمن:
ألا أيها القوم الذين تجمعوا
بعكّا أناس أنتم أم أباعر؟
أ تترك قيس آمنين بدارهم
و نركب ظهر البحر و البحر زاخر؟
فو اللّه ما أدري و إني لسائل
أ همدان يحمى ضيمها أم يحابر؟
[١] ممر: مفتول فتلا شديدا.
[٢] في «خزانة الأدب» ٣: ٦٠ «معذب».
[٣] كذا في المصدر السابق. و في س، ب «كجناح».
[٤] و في س «لممت»، تحريف.
[٥] على تفيئة: على أثر.