الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٧ - شعره و قد كف عن الشراب مدة
فما إن زال ذاك الدأب منّا
ثلاثا يستغبّ [١] و يستباح
نبيت معا و ليس لنا لقاء
ببيت ما لنا فيه براح [٢]
يموت مختنقا:
أخبرني عمي الحسن بن أحمد، قال: حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ، قال: قال صدقة بن إبراهيم البكريّ:
كان أبو الهنديّ يشرب معنا بمرو، و كان إذا سكر يتقلب تقلّبا قبيحا في نومه، فكنا كثيرا ما نشدّ رجله لئلا يسقط من السطح، فسكر ليلة و شددنا رجله بحبل، و طولنا فيه ليقدر على القيام إلى البول و غير ذلك من حوائجه، فتقلّب و سقط من السطح، و أمسكه الحبل فبقي منكّسا و تخنّق بما في جوفه من الشراب، فأصبحنا فوجدناه ميتا.
قال صدقة: فمررت بقبره بعد ذلك فوجدت عليه مكتوبا:
اجعلوا إن متّ يوما كفني
و رق الكرم و قبري [٣] معصره
إنّني أرجو من اللّه غدا
بعد شرب الراح حسن المغفرة
قال: فكان الفتيان بعد ذلك يجيئون إلى قبره، و يشربون و يصبّون القدح إذا انتهى إليه على قبره.
قال حماد بن إسحاق عن أبيه في وفاة أبي الهنديّ: إنه خرج و هو سكران في ليلة باردة من حانة خمّار و هو ريان، فأصابه [٤] ثلج فقتله، فوجد من غد ميتا على الطريق.
شعره و قد كف عن الشراب مدة:
و روى حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: حج نصر بن سيار و أخرج معه أبا الهنديّ، فلما حضرت أيام الموسم قال له: يا أبا الهنديّ، إنّا بحيث ترى، وفد اللّه و زوّار بيته، فهب لي النبيذ في هذه الأيام و احتكم عليّ، فلو لا ما ترى، ما منعتك، فضمن له ذلك و غلّظ عليه الاحتكام، و وكّل به نصر بن سيار، فلما انقضى الأجل مضى في السحر قبل أن يلقي نصرا، فجلس في أكمة يشرف منها على فضاء واسع، فجلس عليها و وضع بين يديه إداوة، و أقبل يشرب و يبكي، و يقول:
/
أديرا عليّ الكأس إنّي فقدتها
كما فقد المفطوم درّ المراضع
حليف مدام فارق الراح روحه
فظل عليها مستهلّ المدامع
قال: و عاتب قوم أبا الهنديّ على فسقه و معاقرته الشراب، فقال:
إذا صلّيت خمسا كلّ يوم
فإنّ اللّه يغفر لي فسوقي
و لم أشرك بربّ الناس شيئا
فقد أمسكت بالدّين [٥] الوثيق
و جاهدت العدوّ و نلت مالا
يبلّغني إلى البيت العتيق
[١] كذا في الأصل، كأنه استفعال من الغب، و المراد التناوب. و في «المختار»: «يستهب»، و في «التجريد»: «يستحل».
[٢] هذا البيت زيادة من «المختار» و «التجريد».
[٣] في «المختار»:
« قشر المعصرة»
. [٤] في «المختار»: «فأصابه الثلج».
[٥] في «المختار»: «الحبل».