الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٢ - يصف جيشا ركب فيه حميد الطوسي و يمدحه
/
و فارقت البيض الخدور و أبرزت
عواطل حسرى بعده لا تقنّع
و أيقظ أجفانا و كان لها الكرى
و نامت عيون لم تكن قبل تهجع
و لكنه مقدار يوم ثوى به
لكل امرئ منه نهال و مشرع
و قد رأب اللّه الملا [١] بمحمد
و بالأصل ينمي فرعه المتفرع
أغرّ على أسيافه و رماحه
تقسّم أنفال الخميس و تجمع
حوى عن أبيه بذل راحته الندى
و طعن الكلى و الزاعبية [٢] شرّع
و إنما ذكرت هذه القصيدة على طولها لجودتها و كثرة نادرتها، و قد أخذ البحتريّ أكثر معانيها فسلخه، و جعله في قصيدته اللتين رثى بهما أبا سعيد الثغري:
انظر إلى العلياء كيف تضام [٣]
و:
بأي أسى تثنى الدموع الهوامل [٤]
و قد أخذ الطائي أيضا بعض معانيها، و لو لا كراهة الإطالة لشرحت المواضع المأخوذة. و إذا تأمل ذلك منتقد بصير عرفه.
بلغ في مدح حميد الطوسي ما لم يبلغه في مدح غيره:
أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني أبو وائلة قال: قال رجل لعليّ بن جبلة:
ما بلغت في مديح أحد ما بلغته في مديحك حميدا الطوسيّ. فقال: و كيف لا أفعل و أدنى ما وصل إليّ منه أني أهديت له قصيدة في يوم نيروز فسرّ بها، و أمر أن يحمل إليّ كلّ ما أهدى له، فحمل إليّ ما قيمته مائتا ألف درهم، و أهديت له/ قصيدة في يوم عيد فبعث إليّ بمثل ذلك.
يصف جيشا ركب فيه حميد الطوسي و يمدحه:
قال أبو وائلة. و قد كان حميد ركب يوم عيد في جيش عظيم لم ير مثله، فقال عليّ بن جبلة يصف ذلك:
غدا بأمير المؤمنين و يمنه
أبو غانم غدو الندى [٥] و السحائب
و ضاقت فجاج الأرض عن كل موكب
أحاط به مستعليا للمواكب
كأن سموّ النّقع و البيض [٦] فوقهم
سماوة ليل قرّنت [٧] بالكواكب
[١] مم، مو «الثأي»، و رأب الثأي: أصلح الفساد، و أصله من ثئي الخرز: إذا انخرم.
[٢] الزاعبية: هي الرماح الّتي إذا هزت كانت كأن كعوبها يجري بعضها في بعض، أو المنسوبة إلى زاعب: بلد، أو رجل.
[٣] ديوان البحتري ٢٥٧، و عجزه
و مآتم الأحساب كيف تقام
[٤] ديوانه ١٩٤، و عجزه
و ترجى زيال من جوى لا يزايل
[٥] كذا في ب، س و في أ، ج «الردى».
[٦] في ف «و البيض» بالنصب، و كلاهما صحيح.
[٧] مو «حليت بالكواكب».