الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٦ - كان جنديا، و لم يكن يهوى فاطمة بل جارية لها
كان أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة يهوى فاطمة بنت عمر بن حفص الملقّب هزار مرد، و كانت امرأة نبيلة شريفة، و كان يخاف أهلها أن يذكرها تصريحا، و يرهب زوجها عيسى بن سليمان، فكان يقول الشعر في جارية لها يقال لها: دنيا، و كانت قيّمة دارها، و والية أمورها كلّها. و أنشدنا لابن أبي عيينة فيها، و يكنى باسم دنيا هذه:
ما لقلبي أرقّ من كلّ قلب
و لحبّي أشدّ من كل حبّ!
/ و لدنيا على جنوني بدنيا
أشتهي قربها و تكره قربي
نزلت بي بلية من هواها
و البلايا تكون من كلّ ضرب
قل لدنيا إن لم تجبك لما بي
رطبة من دموع عينى كتبي
فعلام انتهرت باللّه رسلي
و تهددتهم بحبس و ضرب [١]
أيّ ذنب أذنبته ليت شعري
كان هذا جزاءه أيّ ذنب؟
أخبرني عليّ بن سليمان قال حدّثني محمد بن يزيد قال:
كان أبو عيينة [٢] من أطبع الناس و أقربهم مأخذا، من غير أدب موصوف و لا رواية كثيرة، و كان يقرّب البعيد، و يحذف الفضول، و يقلّ التكلف. و كان أصغر من أخيه عبد اللّه و مات قبله.
و قيل لعبد اللّه: أنت أشعر أم أخوك؟ فقال: لو كان له علمي لكان أشعر منّي، و كان يتعشق فاطمة بنت عمر بن حفص هزار مرد الّتي تزوّجها عليّ بن سليمان، و يسرّ عشقها، و يلقّبها دنيا كتمانا لأمرها [٣]. و كانت امرأة جليله [٤] نبيلة سريه من النساء، و كان أبوها من أشدّ الفرسان و شجعانهم، فذكر عيسى بن جعفر أن عيسى بن موسى قال للمهلّب بن المغيرة بن المهلّب: أ كان يزيد بن خالد أشجع أم عمر بن حفص هزار مرد؟ فقال المهلّب: لم أشهد من يزيد/ ما شهدته من عمر بن حفص، و ذلك أني رأيته يركض في طلب حمار وحشيّ حتى إذا حازاه جمع جراميزه [٥] و قفز،/ فصار على ظهره، فقمص الحمار، و جعل عمر بن حفص يحزّ [٦] معرفته إما بسيف و إما بسكين معه حتى قتله.
كان جنديا، و لم يكن يهوى فاطمة بل جارية لها:
قال محمد بن يزيد: و حدّثت عن محمد بن المهلّب أنه أنكر أن يكون أبو عيينة يهوى فاطمة، و قال: إنما كان جنديّا في عداد الشّطّار [٧]، و كانت فاطمة من أنبل النساء و أسراهنّ، و إنما كان يتعشق جارية لها، و هذه الأبيات الّتي فيها الغناء من قصيدة له جيدة مشهورة من شعره، يقولها في فاطمة هذه أو جاريتها، و يكنى عنها بدنيا، فمما اختير منها قوله:
[١] من م، مد، مو.
[٢] في م، أ، مو، مد «ابن أبي عيينة».
[٣] في م، أ «لأهلها».
[٤] في م، أ «جميلة».
[٥] جراميزه «أطرافه. و في س. ب «جراميزة» تحريف.
[٦] في م، أ «يجز».
[٧] الشطار: جمع شاطر، و هو من أعيا أهله خبثا.