الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٤١ - كان مألفة للغلمان و الظرفاء و القيان
يمل إليه، و أخذ سعيد بن وهب في العشر ينشده، فمال إليه الغلام، فبعث به إلى منزله، و بعث معه بالكسائيّ، و قال له: حدّثه و آنسه إلى أن أجيء و تشاغل بحاجة له، فمضى به الكسائيّ، فما زال يداريه حتى قضى حاجته و أربه، ثم قال له: انصرف، و جاء سعيد فلم يره، فقال:
شعره و قد نال الكسائي من الغلام الّذي استماله:
أبو حسن لا يفي
فمن ذا يفي بعده؟
أثرت له شادنا
فصايده وجده
و أظهر لي غدرة
و أخلفني وعده
سأطلب ما ساءه
كما ساءني جهده
يرثي ابنا له:
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني حماد بن إسحاق، عن أبيه قال: كان سعيد بن وهب لي صديقا، و كان له ابن يكنى أبا الخطاب، من أكيس الصبيان و أحسنهم وجها و أدبا، فكان لا يكاد يفارقه في كل حال، لشدة شغفه به، و رقته عليه. فمات و له عشر سنين، فجزع عليه جزعا شديدا، و انقطع عن لذاته. فدخلت إليه يوما لأعاتبه على ذلك، و أستعطفه، فحين رأى ذلك في وجهي فاضت دموعه، ثم انتحب حتى رحمته، و أنشدني:
عين جودي على أبي الخطّاب
إذ تولّى غضّا بماء الشباب
لم يقارف ذنبا و لم يبلغ الحن
ث مرجّى [١] مطهّر الأثواب
فقدته عيني إذا ما سعى أت
رابه من جماعة الأتراب
إن غدا موحشا لداري فقد أص
بح أنس الثّرى و زين التّراب
أحمد اللّه يا حبيبي فأني
بك راج منه عظيم الثواب
ثم ناشدني ألّا أذكّره بشيء مما جئت إليه، فقمت و لم أخاطبه بحرف.
و قد رأيت هذه الأبيات بعينها بخط إسحاق في بعض دفاتره، يقول فيه: أنشدني سعيد بن وهب لنفسه يرثي ابنا له صغيرا، و هي على ما ذكره جعفر بن قدامة عن حماد سواء.
كان مألفة للغلمان و الظرفاء و القيان:
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدّثني أبو هفّان، قال:
حدّثني أبو دعامة، قال: كان سعيد بن وهب مألفة لكل غلام أمرد، و فتى ظريف، و قينة محسنة، فحدّثني رجل كان يعاشره، قال: دخل إليه يوما و أنا عنده غلامان أمردان، فقالا له: قد تحاكمنا إليك: أيّنا أجمل وجها، و أحسن جسما؟ و جعلنا لك/ أجر حكمك أن تختار أيّنا حكمت له، فتقضي حاجتك منه. فحكم لأحدهما، و قام فقضى حاجته و احتبسهما [٢] فشربا عنده نبيذا، ثم مال على الآخر أيضا، و قمت معه. فداخلتهما حتى فعلت كفعله،
[١] في س «مزجى»، و هو تحريف.
[٢] في «المختار»: «فحبيسهما عنده و شربا».