الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٤ - يخلع ثيابا أعطيها على غلام يحبه، و يقول فيه شعرا
ظفر الشوق بقلب دنف [١]
فيك و السّقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب و ضنى
تركاني كالقضيب الذابل
قال: فاستملح ذلك و وصلني.
رثي راكبا قصبة و الصبيان يصيحون به:
حدّثني حمزة بن أبي سلالة الشاعر الكوفيّ، قال دخلت بغداد في بعض السنين فبينا أنا [٢] مارّ بجنينة إذا أنا برجل عليه مبطنة نظيفة، و على رأسه قلنسية [٣] سوداء، و هو راكب قصبة، و الصبيان خلفه يصيحون به: يا خالد يا بارد، فإذا آذوه حمل عليهم بالقصبة، فلم أزل أطردهم عنه حتى تفرقوا، و أدخلته بستانا هناك، فجلس و استراح، و اشتريت له رطبا فأكل، و استنشدته فأنشدني:
قد حاز قلبي فصار يملكه
فكيف أسلو و كيف أتركه!
رطيب جسم كالماء تحسبه
يخطر في القلب منه مسلكه
يكاد يجري من القميص من الن
عمة لو لا القميص يمسكه
فاستزدته، فقال: لا، و لا حرف [٤].
يخلع ثيابا أعطيها على غلام يحبه، و يقول فيه شعرا:
و ذكر عليّ بن الحسين بن أبي طلحة عن أبي الفضل الكاتب- أنه دعا خالدا ذات يوم فأقام عنده. و خلع عليه، فما استقر به المجلس حتى خرج، قال: فأتبعته رسولا ليعرف خبره، فإذا هو قد جاء إلى غلام [٥] كان يحبه، فسأل [٦] عنه فوجده في دار القمار، فمضى إليه حتى خلع عليه تلك الثياب و قبّله و عانقه و عاد إلينا، فلما جاء خالد أعطيت [٧] الغلام الّذي وجّهنا [٨] به دنانير و دعاه [٩] فجاء به إلينا، و أخفيناه و سألنا خالدا عن خبره فكتمه و جمجم [١٠]، فغمزنا الرسول فأخرجه علينا، فلما رآه خالد بكى و دهش، فقلنا له: لا ترع، فإن من القصة كيت و كيت، و إنما أردنا أن نعرف خبرك لا أن نسوءك، فطابت نفسه و أجلسه إلى جنبه، و قال: قد بليت بحبّه و بالخوف عليه مما قد بلي به من القمار، ثم أنشد لنفسه فيه:
محبّ شفّه ألمه
و خامر جسمه سقمه
و باح بما يجمجمه
من الأسرار مكتتمه
[١] الدنف: الّذي يلازمه المرض.
[٢] في «المختار»: «أنا مار إذا».
[٣] في «المختار» قلنسوة، و هي بضم السين إذا فتحت القاف، و بكسر السين إذا ضمت القاف.
[٤] في «المختار»: «و لا حرفا».
[٥] في «المختار»: «غلام أمرد».
[٦] كذا في «المختار». و في ب، س «فسئل عنه فوجده في دار القمار».
[٧] كذا في «المختار»، و في س «فلما جاز خالد أعطاه الغلام»، و هو تحريف.
[٨] في «المختار»: «عرفنا خبره».
[٩] في «المختار»: «ليجيء بالغلام».
[١٠] جمجم الكلام: لم يبينه.