الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٧ - يهجو الغساني لأنه لم يعنه على تعجيل المال
ثم قال لي يحيى: فينبغي يا أبا محمد أن نؤثر الدّين على ما سواه، فقلت له: قد أصبت من أرضاه، و ذكرت له الحسن بن المسوّر، فضمه إليه ثم سألني: من أين أقبلت؟ فأخبرته بخبر عاصم و ما كان منه، فقلت له: قد حضر هذا المسير، و لست أدري من أي وجه أتقاضاه؟ فضحك و قال: و لم لا تدري؟ الق صديقك جعفرا، يعني ابنه، حتى يكلم أمير المؤمنين أو يذكرني حاجتك، فقد تركته على المضي الساعة، فاثنيت إلى جعفر و قلت له في طريقي:
يا سائلي عما أخبّره
عن جعفر كرما و عن شيمه
إن ابن يحيى جعفرا رجل
سيط [١] السماح بلحمه و دمه
فعليه «لا» أبدا محرمة
و كلامه وقف على نعمه
و ترى مسابقه ليدركه
بمكان حذو النعل من قدمه
/ فلما دخلت إليه أخبرته الخبر، و أنشدته الأبيات، و أعلمته ما أمرني به أبوه، فقال لي: قل بيتين تذكره فيهما إلى أن أجدّد طهرا و اكتبهما حتى يكونا معي، فأذكر بهما حاجتك، فقلت: نعم يا سيدي، و أخذت الدواة و كتبت:
أحقّ من أنجز موعوده
خليفة اللّه على خلقه
و من له إرث نبيّ الهدى
بالحق لا يدفع عن حقه
/ ينسب في الهدي إلى هديه
برّا و في الصدق إلى صدقه
و من له الطاعة مفروضة
لائحة بالوحي في رقّه
و الراتق الفتق العظيم الّذي
لا يقدر الناس على رتقه
يهجو الغساني لأنه لم يعنه على تعجيل المال:
قال: فأخذ الشعر، و مضى إلى الرشيد في حاجتي و أقرأه إياه، فصكّ إليّ بالمال عليه، و قبضته بعد ذلك بيوم، و أنشأت أقول في الغسّانيّ:
أ لا طرقت أسماء أم أنت حالم؟
فأهلا بطيف زار و الليل عاتم
إذا قيل أيّ الناس أعظم جفوة
و ألأم قيل الجرمقانيّ [٢] عاصم
دعيّ أجاءته إلى اللؤم دعوة
و مغرس سوء لؤمه متقادم
شهيدي على أن ليس حرّا صليبة
صفيحة وجه ابن استها [٣] و اللهازم
صفيحة دقّاق أبوه شبيهه
و جدّاه سمّاك لئيم و حاجم
أعاصم خلّ المكرمات لأهلها
و أغض على لؤم و وجهك سالم
فكيف تنال الدهر مجدا و سوددا
و في كل يوم كوكب لك ناجم؟
[١] سيط: خلط، و بابه قال:
[٢] الجرمقاني: واحد الجرامقة، و هم من قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الإسلام.
[٣] تركيب يقال لمن يسب و يصغر من جهة أمة.