الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٤ - يناظر الكسائي في مجلس المهدي فيغلبه
الخليل يحبه و يجله:
حدّثني عمي قال: حدّثني عبيد اللّه بن محمد اليزيديّ قال: حدّثني أخي أبو جعفر/ قال: سمعت جدّي أبا محمد يقول: صرت يوما إلى الخليل بن أحمد، و المجلس غاص بأهله، فقال لي: هاهنا عندي، فقلت أضيّق عليك، فقال: إنّ الدنيا بحذافيرها تضيق عن متباغضين، و إنّ شبرا في شبر لا يضيق عن متحابّين. قال: و كان الخليل لأبي محمد صافي الودّ.
يجمع بين الخليل و ابن المقفع:
حدثنا اليزيديّ قال: حدّثني عمي عبيد اللّه قال: حدّثني أخي أحمد قال: سمعت جدي أبا محمد يقول:
كنت ألقي الخليل بن أحمد، فيقول لي: أحبّ أن يجمع بيني و بين عبد اللّه بن المقفّع، و ألقى ابن المقفّع فيقول: أحب أن يجمع بيني و بين الخليل بن أحمد. فجمعت بينهما، فمرّ لنا أحسن مجلس و أكثره علما، ثم افترقنا، فلقيت الخليل فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، كيف رأيت صاحبك؟ قال: ما شئت من علم و أدب، إلّا أني رأيت كلامه أكثر من علمه، ثم لقيت ابن المقفّع فقلت: كيف رأيت صاحبك؟ فقال: ما شئت من علم و أدب، إلّا أنّ عقله أكثر من علمه [١].
يناظر الكسائي في مجلس المهدي فيغلبه:
حدثنا اليزيديّ قال حدّثني عمي عبيد اللّه قال: حدّثني أخي أحمد بن محمد قال: حدّثني أبي محمد بن أبي محمد قال: قال لي أبو محمد:
كنا مع المهدي ببلد في شهر رمضان قبل أن يستخلف بأربعة أشهر، و كان الكسائيّ معنا، فذكر المهديّ العربية و عنده شيبة بن الوليد العبسيّ عمّ دفافة، فقال المهديّ: نبعث إلى اليزيديّ و الكسائيّ، و أنا يومئذ مع يزيد بن المنصور خال المهديّ، و الكسائي مع الحسن الحاجب، فجاءنا الرسول، فجئت أنا، فإذا الكسائيّ على الباب قد سبقني. فقال: يا أبا محمد، أعوذ باللّه من شرّك، فقلت: و اللّه لا تؤتى من قبلي حتى أوتى من قبلك.
/ فلما دخلنا عليه أقبل عليّ، و قال: كيف نسبوا إلى البحرين فقالوا: بحرانيّ، و نسبوا إلى الحصنين [٢] فقالوا:
حصنّي و لم يقولوا حصنانيّ. كما قالوا بحراني؟ فقلت: أصلح اللّه الأمير! لو أنهم نسبوا إلى البحرين فقالوا: بحريّ لم يعرف أ إلى البحرين نسبوا أم إلى البحر؟ فلما جاءوا إلى الحصنين لم يكن موضع آخر يقال له: الحصن ينسب إليه غيرهما [٣] فقالوا: حصني.
قال أبو محمد، سمعت الكسائي يقول لعمر بن بزيع- و كان حاضرا- لو سألني الأمير لأخبرته فيها بعلّة هي أحسن من هذه. قال أبو محمد: قلت: أصلح اللّه الأمير، إن هذا يزعم أنك لو سألته لأجاب بأحسن مما أجبت به.
قال: فقد سألته: فقال الكسائيّ: لما نسبوا إلى الحصنين كانت فيه نونان، فقالوا: حصني اجتزاء بإحدى النونين عن الأخرى، و لم يكن في البحرين إلّا نون واحدة، فقالوا: بحراني. فقلت: أصلح اللّه الأمير! فكيف تنسب رجلا من
[١] هد «إلّا أن عقله و علمه أكثر من كلامه».
[٢] الحصنين موضع، و قلعة بوادي له من نواحي الطائف.
[٣] ذكر ياقوت أن هناك مواضع كثيرة تسمى بهذا الاسم، و مما ذكر منها: ثنية بمكة في موضع يقال له: المفجر.