الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٣ - يلقن قتيبة غريبا فيه فحش، فيعابي به عيسى بن عمر
كان قتيبة الخراسانيّ عيسى بن عمر يأتيني، فيسألني عن مسائل كالمتعنّت، فإذا أجبته عنها انصرف منكسرا، و كان أفطس، فقلت له يوما:
أ مخبري أنت يا قتيبة عن
أنفك أم أنت كاتم خبره؟
بأي جرم و أيّ ذنب ترى
سوّت بخدّيك أنفك البقرة
فصيّرته كفيشة [١] نبتت
في وجه قرد مفضوضة [٢] الكمرة
قد كان في ذاك شاغل لك عن
تفتيش باب العرفان و النكره
و قلت فيه أيضا:
إذا عافى مليك الناس عبدا
فلا عافاك ربّك يا قتيبة
/ طلبت النحو مذ أن كنت طفلا
إلى أن جلّلتك قبحت شيبه
فما تزداد إلّا النقص فيه
و أنت لدى الإياب بشرّ أو به
و كنت كغائب قد غاب حينا
فطال مقامه و أتى بخيبه
يلقن قتيبة غريبا فيه فحش، فيعابي به عيسى بن عمر:
قال أبو محمد:
كان عيسى بن عمر أعلم الناس بالغريب، فأتاني قتيبة الخراسانيّ هذا، فقال لي: أفدني شيئا من الغريب أعايي [٣] به عيسى بن عمر، فقلت له: أجود المساويك عند العرب الأراك، و أجود الأراك عندهم ما كان متمئرّا [٤] عجارما [٥] جيدا، و قد قال الشاعر:
إذا استكت يوما بالأراك فلا يكن
سواكك إلّا المتمئرّ العجارما
يعني الأير. قال: فكتب قتيبة ما قلت له، و كتب البيت، ثم أتى عيسى بن عمر في مجلسه، قال: يا أبا عمر، ما أجود المساويك عند العرب؟ فقال: الأراك، يرحمك اللّه. فقال له قتيبة: أ فلا أهدي إليك منه شيئا متمئرا عجارما؟ فقال:
أهده إلى نفسك. و غضب، و ضحك كل من كان في مجلسه،/ و بقي قتيبة متحيرا، فعلم عيسى أنه قد وقع عليه بلاء، فقال له: ويلك! من فضحك و سخر منك بهذه المسألة؟ و من أهلكك و دمّر عليك؟ قال: أبو محمد اليزيديّ، فضحك عيسى حتى فحص برجله، و قال: هذه و اللّه من مزحاته و بلاياه. أراه عنك منحرفا، فقد فضحك. فقال قتيبة: لا أعاود مسألته عن شيء.
[١] الفيشة: رأس الذكر.
[٢] مي «مقطوعة».
[٣] كذا في م، أ. و معناه: أعجزه عن فهمه. س، ب «أعاني» بمعنى أشاجر.
[٤] المتمئر: الذكر الصلب.
[٥] العجارم: الرجل الشديد، و يكنى به عن الذكر.