الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٩ - الحجاج يخلف بشرا في تزوجها
الحجاج يخلف بشرا في تزوجها:
ثم خلف عليها الحجاج، و كان السبب في ذلك فيما ذكره المدائنيّ عن الحرمازيّ عن القحذميّ، و أخبرني به من هاهنا أحمد بن عبد العزيز عن ابن شبة عن عثمان بن عبد الوهاب عن عبد الحميد الثقفيّ قالا:
كان السبب في ذلك أنه بعث أبا بردة بن أبي موسى الأشعري- و هو قاضيه-/ إلى أسماء يقول له: إن قبيحا بي مع بلاء أمير المؤمنين عندي أن أقيم بموضع فيه ابنا أخيه بشر لا أضمهما إليّ، و أتولّى منهما مثل ما أتولى من ولدى. فاسأل هندا أن تطيب نفسا عنهما.
و قال عمر بن شبة في خبره: و أعلمها أنه لا بد من التفرقة بينها و بينهما حتى أؤدبهما، قال أبو بردة: فاستأذنت فأذن لي و هو يأكل و هند معه، فما رأيت وجها [١]/ و لا كفا و لا ذراعا أحسن من وجهها و كفها و ذراعها، و جعلت تتحفني و تضع بين يديّ.
قال أبو زيد في خبره: فدعاني إلى الطعام، فلم أفعل، و جعلت تعبث بي و تضحك، فقلت: أما و اللّه لو علمت ما جئت له لبكيت، فأمسكت يدها عن الطعام فقال: أسماء: قد منعتها الأكل: فقل: ما جئت له. فلما بلّغت أسماء ما أرسلت به بكت، فلم أر و اللّه دموعا قطّ سائلة من محاجر أحسن من دموعها على [٢] محاجرها. ثم قالت:
نعم أرسل بهما إليه، فلا أحد أحقّ بتأديبهما منه.
و قال أسماء: إنما عبد الملك ثمرة قلوبنا- يعني عبد الملك بن بشر- و قد أنسنا به، و لكن أمر الأمير طاعة، فأتيت الحجاج، فأعلمته جوابها و هيئتها. فقال: ارجع فاخطبها عليّ فرجعت و هما على حالهما. فلما دخلت قلت:
إني جئتك بغير الرسالة الأولى قال: اذكر ما أحببت. قلت: قد جئت خاطبا. قال: أعلى نفسك فما بنا عنك رغبة؟
قلت: لا، على من هو خير لها مني، و أعلمته ما أمرني به الحجاج، فقال: ها هي تسمع ما أدّيت، فسكتت، فقال أسماء: قد رضيت، و قد زوجتها إياه.
فقال أبو زيد في حديثه: فلما زوجها أبوها قامت مبادرة و عليها مطرف [٣]، و لم تستقل قائمة من ثقل عجيزتها حتى انثنت و مالت لأحد شقيها من شحمها، فانصرفت بذلك إلى الحجاج، فبعث إليها بمائة ألف درهم و عشرين تختا من ثياب و قال: يا أبا بردة،/ إني أحب أن تسلمها إليها، ففعلت ذلك، و أرسلت إليّ من المال بعشرين ألفا، و من الثياب تختين. فقلت: ما أقبل شيئا حتى أستطلع رأي الأمير. ثم انصرفت إليه فأعلمته، فأمرني بقبضة و وصلني بمثله [٤].
و قال: أبو زيد في حديثه: فأرسل إليها بثلاثين غلاما مع كل غلام عشرة آلاف درهم، و ثلاثين جارية مع كل جارية تخت من ثياب، و أمر لي بثلاثين ألفا و ثيابا لم يذكر عددها. فلما وصل ذلك إلى هند أمرت بمثل ما أمر لي به الحجاج، فأبيت قبوله، و قلت: ليس الحجاج ممن يتعرّض له بمثل هذا. و أتيت الحجاج فأخبرته. فقال: قد أحسنت و أضعف اللّه لك ذلك، و أمر له بستين ألفا، و بضعف تلك الثياب، و كان أول ما أصبته مع الحجاج. و أرسل
[١] ف «فما وجدت وجها قط».
[٢] في ف «من».
[٣] في ف «مطرف خز أسود».
[٤] زيادة في ف.