الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٠ - يجيز بيتا للمأمون في غلام المعتصم
يا قصر ذا النّخلات من بارا [١]
إني حللت إليك من قارا
أبصرت أشجارا على نهر
فذكرت أشجارا و أنهارا
للّه أيام نعمت بها
بالقفص [٢] أحيانا و في بارا
إذ لا أزال أزور غانية
ألهو بها و أزور خمّارا
لا أستجيب لمن دعا لهدى
و أجيب شطّارا و دعّارا
أعصي النصيح و كلّ عاذلة
و أطيع أوتارا و مزمارا
قال: فغضب المأمون، و قال: أنا في وجه عدو، و أحض الناس على الغزو، و أنت تذكّرهم نزهة بغداد؟
فقلت: الشيء بتمامه، ثم قلت:
فصحوت بالمأمون عن سكري
و رأيت خير الأمر ما اختارا
و رأيت طاعته مؤدية
للفرض إعلانا و إسرارا
فخلعت ثوب الهزل عن عنقي
و رضيت دار الجدّ لي دارا
و ظللت معتصما بطاعته
و جواره و كفى به جارا
إن حلّ أرضا فهي لي وطن
و أسير عنها حيثما سارا
/ فقال له يحيى بن أكثم: ما أحسن ما قال يا أمير المؤمنين! أخبر أنه كان في سكر و خسار، فترك ذلك و ارعوى، و آثر طاعة خليفته، و علم أن الرشد فيها؛ فسكن و أمسك.
يجيز بيتا للمأمون في غلام المعتصم:
حدّثني الصوليّ قال: حدّثني محمد بن يحيى بن أبي عباد قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن أبيه قال:
دعا المعتصم ذات يوم المأمون فجاءه، فأجلسه في بيت على سقفه جامات، فوقع ضوء الشمس من وراء تلك الجامات على وجه سيما التركي غلام المعتصم، و كان المعتصم أوجد الناس به، و لم يكن في عصره مثله، فصاح المأمون يا أحمد بن محمد اليزيديّ- و كان حاضرا- فقال: انظر إلى ضوء الشمس على وجه سيما التركي، أ رأيت أحسن من هذا قط؟ و قد قلت:
قد طلعت شمس على شمس
و زالت الوحشة بالأنس
أجز يا أحمد، فقلت:
قد كنت أشنا الشمس فيما مضى
فصرت أشتاق إلى الشمس
[١] في «معجم البلدان»: باري بكسر الراء: قرية من أعمال كلواذ من نواحي بغداد، و كان بها بساتين و متنزهات، يقصدها أهل البطالة.
[٢] القفص، بالضم ثم بالسكون: قرية مشهورة بين بغداد و عكبرا، قريب من بغداد. و كانت من مواطن اللهو و معاهد النزه و مجالس الفرح، ينسب إليها الخمور الجيدة و الحانات الكثيرة.