الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٨٠
يرفضه و يعلم و يقر بأن تلك الصور الحسان و الشمائل و الفضائل التي كانت تراها على ذلك الشخص ليست محبوسة فيه ثابتة له محصورة عنده بل مرسومة في جوهرها متصورة في ذاتها باقية ثابتة على حالة واحدة لم تتغير و إنما ذلك الشخص كان دليلا عليها كغيره من الأشخاص الصنمية التي تكون دلائل على الأنوار العقلية و مظاهر للمعاني النورية فإذا فكر العاقل اللبيب فيما وصفناه استيقظت نفسه من نوم غفلتها و استفلت بذاتها و فازت بجوهرها و استغنت عن غيرها و استراحت عند ذلك من تعبها و عنائها و مقاساتها محبة غيرها و تخلصت من الشقاوة التي تعرض لعاشقي الأجسام و محبي الأجرام من الأبدان الإنسانية و الدراهم و الدنانير و اليواقيت و الدرر- و الضياء و العقار و البساتين و الأشجار و الثمار و غيرها من الداثرات البائدات و قد قال الله تعالى وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلًا فإذا انتبهت النفس من نوم الغفلة و استيقظت من رقدة الجهالة و فتحت عين بصيرتها و عاينت عالمها و عرفت مبدأها و معادها لتيقنت أن المستلذات الجسمية و المحاسن المادية- كلها كعكوس الفضائل العقلية و خيالات الأنوار الروحانية ليست لها حقيقة متأصلة و ذات مستقلة بل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه.
تنوير رحماني:
إن الباري جل ثناؤه بمقتضى رحمته و لطفه جعل الأمور الجسمانية المحسوسة كلها مثالات دالات على الأمور الروحانية العقلية و جعل طريق الحواس درجا و مراقي يرتقى بها إلى معرفة الأمور العقلية التي هي الغرض الأقصى في وقوع النفس في دار المحسوسات و طلوعها عن أفق الماديات و كما أن المحسوسات فقراء الذوات إلى العقليات لكونها رشحات لأنوارها و أظلالا لأضوائها فكذلك معرفة الجسمانيات المحسوسة هي فقر النفس و شدة حاجتها و معرفة الأمور العقلية هي غناؤها و نعيمها و ذلك [١] أن النفس
[١] و أيضا و لا وفاء و لا بقاء بخلاف العقليات فإنها ثابتة بلا تغيير و تبدل فإنها كمعنى صور العالم و كأصل محفوظ في فروعه فإن تغيرها كتغير صور بدن الإنسان الصغير و محفوظية أصلها و معناها كمحفوظية هوية ذلك الإنسان فإذا صار ذلك الثابت المحفوظ الدائم صورة للنفس و النفس مادة له و المادة فانية في الصورة اتصفت بصفة من الغنى و الدوام و الثبات، س ره