الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٧٠
و منهم من ذهب إلى أنه إشارة إلى هذه الصور الهيولانية في هذا العالم باعتبار حضورها و ظهورها عند المبدإ الأول و مثولها بين يديه و عدم خفائها و غيبوبتها بذواتها عن علمه إذ هي بهذا الاعتبار كأنها مجردة من المواد و الأزمنة و الهيئات الحسية و الغشاوات المادية لعدم كونها حجابا عن شهودها و وجودها لدى الباري- فهي بذواتها معقولة له تعالى كسائر الكليات و المجردات متمثلة بين يديه.
أقول [١] و الأظهر أن أولئك الأكابر من الحكماء و الأعاظم من الأولياء المتجردين عن غشاوات الطبيعة الواصلين إلى غايات الخليقة حكموا بأن الصور المعقولة من الأشياء مجردة قائمة بذواتها و إياها يتلقى العقلاء و العرفاء في معقولاتهم و معارفهم إذ لها وجود [٢] لا محالة فهي إما قائمة بذواتها أو حالة في
[١] إنما لم يتعرض في هذا الإجمال بعد التفصيل لتأويل الشيخ للمثل لغاية بعده عند المصنف قدس سره و لا لما ذكره بعض المتأخرين لأنه كما مر إن أراد الماهية المطلقة رجع إلى تأويل الشيخ فكان مثله في البعد و إن أراد الكلي العقلي رجع إلى ما ذكره المصنف قدس سره هنا في المال، س ره
[٢] و هذه حجة أخرى أقامها المصنف ره على وجود المثل العقلية غير الحجج الثلاث التي أقامها في أول الفصل نقلا عن صاحب الإشراق و خلاصتها أن الصور المعقولة الكلية- التي يدركها الإنسان موجودة بالضرورة و لا يخلو إما أن تكون قائمة بذاتها أو بغيرها و على الثاني إما أن تقوم بجزء مادي منا أو بنفوسنا أو بجوهر مجرد خارج من ذواتنا- و جميع الشقوق باطلة إلا الأول منها فهي قائمة بذواتها و حيث كانت موجودة في ذواتها فهي متشخصة خارجا و إذ تصدق عليها حدود الأنواع المادية فكل واحد منها فرد مجرد من نوع- تصدق عليه ماهيته هذا.
و فيه أن هناك شقا آخر غير الشقوق الأربعة المذكورة و هو أن تكون هذه الصور الكلية موجودا مجردا واحدا قائما بذاته و يكون الاختلاف و الكثرة ناشئا من ناحية إدراكنا لا من ناحية المدرك و ذلك بأن ندرك جزئيات الأنواع المادية و يحصل لنا بسببه استعداد الاتصال بجوهر عقلي فيه جميع الكمالات الوجودية التي في عالم المادة فندركه بعلم حضوري- لكن مع اختلاف ما في الإدراك من جهة اختلاف الاستعدادات الحاصلة من إدراك الجزئيات المادية المختلفة نظير انتزاع المفاهيم المختلفة من ذات الواجب جل ذكره على وحدتها الحقة فذاته تعالى بحت الكمال و محض الوجود غير أنا نجد فيما عندنا صفة وجودية كمالية نسميها علما مثلا و نرجع إليه تعالى فنجده عنده فننتزعه منه ثم نجد فيما عندنا الكمال الذي هو القدرة- و نستعد بذلك استعدادا جديدا فنعود إليه تعالى فننتزع منه مفهوم القدرة و هكذا في الحياة و السمع و البصر و غير ذلك فيتحصل من ذلك اختلاف مفاهيم الصفات مع كون الذات المتعالية بحت الكمال الذي لا ميز فيه لصفة كمالية من أخرى و إنما نشأ الاختلاف من ناحية اختلاف إدراكنا- لاختلاف الاستعدادات المكتسبة فليجز مثل ذلك في إدراكنا الصور النوعية المختلفة- من الإنسان و الفرس و الغنم و غير ذلك بالاتصال بالعالم العقلي المجرد و لا يوجب هذا الانتزاع كون المفهوم المنتزع ماهية للمنتزع منه حتى يلزم اجتماع ماهيات متبائنة في واحد حقيقي بل إنما تنشأ الماهية من نسبة هذا المدرك الموجود في ظرف الإدراك إلى الفرد المادي الخارجي- و مشاهدة أنها خالية عن آثار الأفراد فتصير على هذه النسبة مفاهيم لا تترتب عليها آثار الخارج- أي ماهية متساوية النسبة إلى الوجود و العدم ثم تحمل بعنوان الذاتية على الأفراد المادية فتصير ماهيات نوعية أو جنسية جوهرية أو عرضية، ط مد
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ؛ ج٢ ؛ ص٧١