الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧٧
لا تضامون في رؤيته» على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع، و هو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات. و إياه عنى النبي عليه الصلاة و السلام بقوله: «أوّل ما خلق اللّه تعالى العقل، فقال له: أقبل، فأقبل. ثمّ قال له: أدبر، فأدبر. فقال: و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، بك أعزّ، و بك أذلّ، و بك أعطي، و بك أمنع» فهو الذي يظهر يوم القيامة و ترتفع الحجب بينه و بين الصور التي فاضت منه، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر. فأما واهب العقل فلا يرى البتة، و لا يشبّه إلا مبدع بمبدع.
و قال ابن خابط: إن كل نوع من أنواع الحيوانات أمة على حيالها لقوله تعالى: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [١] و في كل أمة رسول من نوعه لقوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [٢].
و لهما طريقة أخرى في التناسخ، و كأنهما مزجا كلام التناسخية، و الفلاسفة، و المعتزلة بعضها [٣] ببعض.
[١] سورة الأنعام: الآية ٣٨.
[٢] سورة فاطر: الآية ٢٤.
[٣] قالا: إن اللّه خلق الخلق في أبدان صحيحة و عقول تامة في دار ليست دار الدنيا، و خلق لهم معرفته و أتمّ عليهم نعمته و أمرهم بشكره. و الإنسان هو الروح لا قالبه المشاهد، و الروح عالم قادر و الحيوان كلّه جنس واحد و جميعها في محل التكليف فمن أطاعه أقرّه و من عصاه أخرجه إلى النار، و من عصاه، في البعض و أطاعه في البعض بعثه إلى دار الدنيا و ألبسه هذه القوالب، و ابتلاه تارة بالشدّة و تارة بالراحة و تارة بالألم و تارة باللذة، و جعل قوما في صورة الناس وقوفا في صورة الطيور، وقوفا في صورة السباع، وقوفا في صورة الدواب، وقوفا في صورة الحشرات و درجاتهم على قدر معاصيهم. فمن كانت معصيته أقلّ فصورته في الدنيا أحسن أو أكثر. فقالب روحه أقبح، و الروح لا يزال في دنياه ينتقل من قالب إلى قالب على قدر طاعته أو معصيته، من قوالب الناس و الدواب حتى تتمخّض طاعاته فينتقل إلى دار النعيم، أو معاصيه، فإلى دار الجحيم. (راجع التبصير ص ٨٠ و ٨١ و الفرق بين الفرق طبعة دار المعرفة ص ٢٧٤ و ٢٧٥).