الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٥
الثانية: أنه أثبت إرادات [١] لا محل لها، يكون الباري تعالى مريدا بها.-
و هو أول من أحدث هذه المقالة، و تابعه عليها المتأخرون.
الثالثة: قال في كلام الباري تعالى إن بعضه لا في محل و هو قوله: كُنْ و بعضه في محل الأمر، و النهي، و الخبر و الاستخبار. و كان أمر التكوين عنده غير أمر التكليف.
الرابعة: قوله في القدر مثل ما قاله أصحابه، إلا أنه قدري الأولى جبريّ الآخرة. فإن مذهبه في حركات أهل الخلدين [٢] في الآخرة أنها كلها ضرورية لا قدرة للعباد عليها. و كلها مخلوقة للباري تعالى؛ إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلفين بها.
الخامسة: قوله إن حركات أهل الخلدين تنقطع، و أنهم يسيرون إلى سكون دائم خمودا. و تجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، و تجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار. و هذا قريب من مذهب جهم، إذ حكم بفناء الجنة و النار [٣]، و إنما التزم أبو الهذيل هذا المذهب لأنه لما ألزم في مسألة حدوث العالم؛ أن الحوادث التي لا أول لها كالحوادث التي لا آخر لها، إذ كل واحدة لا تتناهى؛ قال:
- و الثاني: الموصوف بالشيء لمعنى صار مختصا بذلك المعنى لحال.
و الثالث: ما يستحقّه لا لنفسه و لا لمعنى، فيختصّ بذلك الوصف دون غيره عنده الحال).
(و زعم أن أحوال الباري عز و جلّ في معلوماته لا نهاية لها، و كذلك أحواله في مقدوراته لا نهاية لها، كما أن مقدوراته لا نهاية لها ... و قالوا له: هل أحوال الباري من عمل غيره أم هي هو؟ فأجاب: بأنها لا هي هو و لا غيره ...).
[١] جاء في «مقالات الإسلاميين» ١: ١٨٩: (أصحاب أبي الهذيل يزعمون أن إرادة اللّه غير مراده و غير أمره، و أن إرادته لمفعولاته ليست بمخلوقة على الحقيقة، بل هي مع قوله لها كوني خلق لها، و إرادته للإيمان ليست بخلق له و هي غير الأمر به، و إرادة اللّه قائمة لا في مكان).
و حول هذا الموضوع راجع المصدر نفسه ٢: ٥١١ و ٥١٢ و ١: ٥١٠.
[٢] الخلد: دوام البقاء في دار لا يخرج منها. و دار الخلد الآخرة لبقاء أهلها فيها. و أهل الخلدين من يخلدون في الجنة و من يخلدون في النار.
[٣] يريد بهذا القول بفناء مقدورات اللّه عز و جلّ حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادرا على شيء.