الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٩
عن جماعة من الموشكانية أنهم أثبتوا نبوة المصطفى محمد عليه الصلاة و السلام إلى العرب و سائر الناس سوى اليهود، لأنهم أهل ملة و كتاب.
و زعمت فرقة من المقاربة أن اللّه تعالى خاطف الأنبياء عليهم الصلاة و السلام بواسطة ملك اختاره، و قدمه على جميع الخلائق و استخلفه عليهم. و قالوا: كل ما في التوراة و سائر الكتب من وصف اللّه تعالى، فهو خبر عن ذلك الملك. و إلا فلا يجوز أن يوصف اللّه تعالى بوصف.
قالوا: و إن الذي كلم موسى عليه السلام تكليما هو ذلك الملك و الشجرة المذكورة في التوراة هو ذلك الملك. و يتعالى الرب تعالى عن أن يكلم بشرا تكليما.
و حمل جميع ما ورد في التوراة من طلب الرؤية: و شافهت اللّه، و جاء اللّه، و طلع اللّه في السحاب، و كتب التوراة بيده، و استوى على العرش استقرارا، و له صورة آدم، و شعر قطط [١]، و وفرة سوداء، و أنه بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، و أنه ضحك الجبار حتى بدت نواجذه، إلى غير ذلك، على ذلك الملك. قال: و يجوز في العادة أن يبعث ملكا روحانيا من جملة خواصه، و يلقي عليه اسمه، و يقول: هذا هو رسولي، و مكانه فيكم مكاني، و قوله قولي، و أمره أمري، و ظهوره عليكم ظهوري كذلك يكون حال ذلك الملك.
و قيل: إن أرنوس حيث قال في المسيح إنه هو اللّه، و إنه صفوة العالم، أخذ قوله من هؤلاء. و كانوا قبل أرنوس بأربعمائة سنة، و هم أصحاب زهد و تقشف.
و قيل صاحب هذه المقالة هو: بنيامين النهاوندي، قرر لهم هذا المذهب و أعلمهم أن الآيات المتشابهات في التوراة كلها مؤولة. و أنه تعالى لا يوصف بأوصاف البشر، و لا يشبه شيئا من المخلوقات، و لا يشبهه شيء منها، و أن المراد بهذه الكلمات الواردة في التوراة ذلك الملك المعظم.
[١] شعر قطط: قصير فيه جعودة.