الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥
و استطاعتهم؟ و ما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يحتالهم عنها [١] فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين، كان أحرى بهم، و أليق بالحكمة.
و السابع: سلمت هذا كلّه: خلقني و كلّفني مطلقا و مقيدا، و إذ لم أطع لعنني و طردني، و إذا أردت دخول الجنة مكّنني و طرّقني، و إذا عملت عملي أخرجني ثم سلّطني على بني آدم، فلم إذا استمهلته أمهلني، فقلت: فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [٢]- قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [٣].
و ما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح آدم و الخلق مني و ما بقي شرّ ما في العالم؟ أ ليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشرّ؟!
قال: فهذه حجتي على ما ادّعيته في كل مسألة.
قال شارح الإنجيل: فأوحى اللّه تعالى إلى الملائكة عليهم السلام، قولوا له:
إنك في تسليمك الأول أني إلهك و إله الخلق غير صادق و لا مخلص، إذ لو صدّقت أنّي إله العالمين ما احتكمت عليّ بلم، فأنا اللّه الذي لا إله إلّا أنا، لا أسأل عمّا أفعل، و الخلق مسئولون، و هذا الذي ذكرته مذكور في التوراة، و مسطور في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته.
و كنت برهة من الزمان أتفكّر و أقول: من المعلوم الذي لا مرية [٤] فيه أنّ كلّ شبهة وقعت لبني آدم؛ فإنما وقعت من إضلال الشيطان الرجيم و وساوسه و نشأت من شبهاته، و إذا كانت الشبهات محصورة في سبع عادت كبار البدع و الضلالات إلى سبع. و لا يجوز أن تعدو شبهات فرق الزيغ و الكفر و الضلال هذه الشبهات و إن اختلفت العبارات؛ و تباينت الطرق، فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور، و ترجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق، و إلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص.
[١] يحتالهم عنها: يصرفهم عنها.
[٢] سورة الأعراف: الآية ١٣، و تمامها: قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
[٣] سورة الحجر: الآيتان ٣٧ و ٣٨.
[٤] المرية: الجدل. يقال: ما فيه مرية، أي جدل. و المرية: الشك.