الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦٤
و لهم في النزول اختلاف. فمنهم من يقول: ينزل قبل يوم القيامة كما قال أهل الإسلام. و منهم من يقول: لا نزول له إلا يوم الحساب، و هو بعد أن قتل و صلب نزل و رأى شخصه شمعون الصفا [١]، و كلمه و أوصى إليه، ثم فارق الدنيا و صعد إلى السماء. فكان وصيه شمعون الصفا و هو أفضل الحواريين علما و زهدا و أدبا، غير أن فولوس شوّش أمره، و صير نفسه شريكا له، و غير أوضاع كلامه، و خلطه بكلام الفلاسفة و وساوس خاطره.
و رأيت رسالة فولوس التي كتبها إلى اليونانيين؛ إنكم تظنون أن مكان عيسى عليه السلام كمكان سائر الأنبياء و ليس كذلك. بل إنما مثله مثل «ملكيز داق» و هو ملك السلام الذي كان إبراهيم عليه السلام يعطي إليه العشور. و كان يبارك على إبراهيم و يمسح رأسه. و من العجب أنه نقل في الأناجيل أن الرب تعالى قال: إنك أنت الابن الوحيد، و من كان وحيدا كيف يمثل بواحد من البشر؟.
ثم إن أربعة من الحواريين اجتمعوا و جمع كل واحد منهم جمعا سماه الإنجيل [٢]. و هم: متى [٣]، ...
[١] شمعون الصفا: ابن توما المعروف بسمعان القانوني نسبة إلى قانا الجليل أو جبل الجليل بالقرب من دمشق. و شمعون من حواريي المسيح و كان أستاذ مرقس الهاروني صاحب إنجيل مرقس، و يقولون أن شمعون المذكور هو الذي ألّفه ثم محا اسمه من أوله و نسبه إلى تلميذه مرقس. (ابن حزم ٨: ٢ و خلاصة تاريخ المسيحية ص ٥٨).
[٢] الأناجيل المعتبرة عند النصارى أربعة: إنجيل متى و إنجيل مرقس و إنجيل لوقا و إنجيل يوحنا و هي عمدتهم و مرجعهم و هي التي تعترف بها كنائسهم و تقرها فرقهم، غير أنه كانت في العصور القديمة أناجيل أخرى أخذت بها بعض الفرق كإنجيل برنابا و إنجيل مرقيون و إنجيل السبعين و غيرها و هي تتخالف مع الأناجيل الأربعة التي لم تعرف قبل أواخر القرن الثاني و كتبت بعد المسيح. (محاضرات في النصرانية ص ٣٦ و تعليف شكيب أرسلان على ابن خلدون ١: ٥٧).
[٣] متى: و يدعى لاوى بن حلفى من قانا الجليل و كان من العشارين «جباة العشور» للدولة الرومانية في كفر ناحوم من أعمال الجليل بفلسطين و ما حولها و كان اليهود يحقرون تلك الوظيفة لظلم صاحبها و خضوعه لدولة أجنبيّة غير أن المسيح اختاره تلميذا من تلاميذه و لما صعد المسيح جال للتبشير في بلاد كثيرة و قد قتل بأثيوبيا سنة ٦٢ م و كتب إنجيله بالعبرية. (خلاصة تاريخ المسيحية ص ٥٢).