الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٠٥
اسْتَوى [١] و مثل قوله: خَلَقْتُ بِيَدَيَ [٢] و مثل قوله: وَ جاءَ رَبُّكَ [٣] إلى غير ذلك. و لسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات و تأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له، و ليس كمثله شيء، و ذلك قد أثبتناه يقينا.
ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف؛ فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها، فوقعوا في التشبيه الصرف و ذلك على خلاف ما اعتقده السلف. و لقد كان التشبيه صرفا خالصا في اليهود، لا في كلهم بل في القرائين [٤] منهم، إذ وجدوا في التوراة ألفاظا كثيرة تدل على ذلك.
ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو و تقصير. أما الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى و تقدس. و أما التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق.
و لما ظهرت المعتزلة و المتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلوّ و التقصير، و وقعت في الاعتزال و تخطت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر فوقعت في التشبيه.
و أما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل، و لا تهدفوا للتشبيه فمنهم: مالك بن أنس رضي اللّه عنهما، إذ قال: الاستواء معلوم، و الكيفية مجهولة، و الإيمان به واجب، و السؤال عنه بدعة. و مثل أحمد بن حنبل رحمه اللّه، و سفيان الثوري، و داود بن عليّ الأصفهاني، و من تابعهم.
حتى انتهى الزمان إلى عبد اللّه بن سعيد الكلابي، و أبي العباس القلانسي،
[١] سورة طه: الآية ٥.
[٢] سورة ص: الآية ٧٥.
[٣] سورة الفجر: الآية ٢٢.
[٤] القراءون: هم فرقة من اليهود، و هم بنو مقرا و معنى مقرا الدعوة، و هم يحكمون نصوص التوراة و لا يلتفتون إلى قول من خالفها. و يقفون مع النص دون تقليد من سلف و هم مع الربانيين من العداوة بحيث لا يتناكحون و لا يتجاورون، و لا يدخل بعضهم كنيسة بعض. (راجع خطط المقريزي ٤: ٣٦٩).