الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦
هذا. و من جادل نوحا، و هودا، و صالحا، و إبراهيم، و لوطا، و شعيبا، و موسى، و عيسى، و محمدا؛ صلوات اللّه عليهم أجمعين، كلّهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاته، و حاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم، و جحد أصحاب الشرائع و التكاليف بأسرهم، إذ لا فرق بين قولهم: أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا [١] و بين قوله: أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً [٢] و عن هذا صار مفصل الخلاف، و محزّ الافتراق ما هو في قوله تعالى: وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [٣]، فبيّن أن المانع من الإيمان هو هذا المعنى، كما قال المتقدّم في الأول: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [٤]، و قال المتأخر من ذرّيته كما قال المتقدّم: أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لا يَكادُ يُبِينُ [٥]، و كذلك لو تعقّبنا أقوال المتقدمين منهم وجدناها مطابقة لأقوال المتأخّرين: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [٦]، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ [٧].
فاللعين الأول لما حكم العقل على من لا يحكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخلق في الخالق، و الأول غلوّ، و الثاني تقصير.
فثار من الشبهة الأولى مذاهب: الحلولية [٨]، ................ .........
[١] سورة التغابن: الآية ٦، و تمامها: ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَ تَوَلَّوْا وَ اسْتَغْنَى اللَّهُ وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.
[٢] سورة الإسراء: الآية ٦٠.
[٣] سورة الإسراء: الآية ٩٤.
[٤] سورة الأعراف: الآية ١١.
[٥] سورة الزخرف: الآية ٥٢.
[٦] سورة البقرة: الآية ١١٨.
[٧] سورة يونس: الآية ٧٤.
[٨] الحلولية في الجملة عشر فرق كلّها كانت في دولة الإسلام، و غرض جميعها القصد إلى إفساد القول بتوحيد الصانع. (راجع الفرق بين الفرق ص ٢٥٤).