الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٨
إليه فعلا؛ ففي تجويز وقوع القبيح منه قبح أيضا، فيجب أن يكون مانعا. ففاعل العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم [١]. و زاد أيضا على هذا الاختباط فقال: إنما يقدر على فعل ما يعلم أن فيه صلاحا لعباده. و لا يقدر على أن يفعل بعباده في الدنيا ما ليس فيه صلاحهم. هذا في تعلق قدرته بما يتعلق بأمور الدنيا.
و أما أمور الآخرة فقال: لا يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، و لا على أن ينقص منه شيئا. و كذلك لا ينقص من نعيم أهل الجنة و لا أن يخرج أحدا من أهل الجنة و ليس ذلك مقدورا له. و قد ألزم عليه أن يكون الباري تعالى مطبوعا مجبورا على ما يفعله. فإن القادر [٢] على الحقيقة من يتخير بين الفعل و الترك. فأجاب إن الذي ألزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله و إن كان مقدورا؛ فلا فرق، و إنما أخذ هذه المقالة من قدماء الفلاسفة حيث قضوا بأن الجواد لا يجوز أن يدخر شيئا لا يفعله. فما أبدعه و أوجده هو المقدور؛ و لو كان في علمه تعالى و مقدوره ما هو أحسن و أكمل مما أبدعه نظاما و تركيبا و صلاحا لفعله.
الثانية: قوله في الإرادة: إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة [٣].
[١] و قد أكفرته البصرية من المعتزلة في هذا القول و قالوا: إن القادر على العدل يجب أن يكون قادرا على الظلم، و القادر على الصدق يجب أن يكون قادرا على الكذب، و إن لم يفعل الظلم و الكذب لقبحهما و لغناه عنهما و لعلمه بغناه عنهما لأن القدرة على الشيء يجب أن تكون قدرة على ضدّه .. و لزم في قوله أن اللّه تعالى لا يقدر على الظلم و الكذب أنه لا يقدر على الصدق و العدل و القول بهذا كفر فما يؤدي إليه مثله. (راجع الفرق بين الفرق ص ١٣٤ طبعة دار المعرفة).
[٢] قال إبراهيم النظام: إن ما يقدر اللّه عليه من اللطف لا غاية له و لا كل. و إن ما فعل من اللطف لا شيء أصلح منه إلّا أن له عند اللّه سبحانه أمثالا، و لكل مثل مثل، و لا يقال يقدر على أصلح مما فعل أن يفعل، و لا يقال يقدر على دون ما فعل أن يفعل لأن فعل ما دون نقص، و لا يجوز على اللّه عزّ و جلّ فعل النقص. و لا يقال يقدر على ما هو أصلح، لأن اللّه سبحانه لو قدر على ذلك و لم يفعل كان ذلك بخلا. (راجع مقالات الإسلاميين ٢: ٥٧٦).
[٣] معتزلة البصريين و أهل السنة يخالفونه في هذا، و هم يعتقدون أن اللّه عز و جل مريد على الحقيقة غير أن أهل السنة قالوا: إنه لم يزل مريدا بإرادة أزلية. و معتزلة البصرة إنه مريد بإرادة حادثة لا في محل و هم و أهل السنة قد أكفروا من نفى إرادة اللّه عز و جل. (الفرق بين الفرق).