الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٠٣
و العبد مكتسبها حقيقة. و جواز حصول فعل بين فاعلين، و قالا يجوز أن يقلب اللّه تعالى الأعراض أجساما، و الاستطاعة و العجز بعض الجسم و هو جسم و لا محالة بنفي زمانين. و قالا: الحجة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم في الإجماع فقط، فما ينقل عنه في أحكام الدين من طريق أخبار الآحاد فغير مقبول [١].
و يحكى عن ضرار أنه كان ينكر حرف عبد اللّه [٢] بن مسعود، و حرف أبي بن كعب [٣]، و يقطع بأن اللّه تعالى لم ينزله [٤].
[١] أمّا حقيقة هذه الإضافة في اللغة فإنه خبر واحد و إنّ الراوي له واحد فقط لا اثنان و لا أكثر من ذلك.
غير أن المتكلّمين و الفقهاء قد تواضعوا على تسمية كل خبر قصر على إيجاب العلم بأنه خبر واحد ...
و هذا الخبر لا يوجب العلم، و لكن يوجب العمل إن كان ناقله عدلا و لم يعارضه ما هو أقوى منه. فمتى صحّ إسنادها و كانت متونها غير مستحيلة في العقل، كانت موجبة للعمل بها دون العلم، و كانت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم في أن يلزمه الحكم بها في الظاهر، و إن لم يعلم صدقهم في الشهادة، و بهذا النوع من الخبر أثبت الفقهاء أكثر فروع الأحكام الشرعية في العبادات و المعاملات و سائر أبواب الحلال و الحرام و ضلّلوا من أسقط وجوب العمل بأخبار الآحاد. (راجع التمهيد ص ١٩٤).
[٢] هو أحد القرّاء الأربعة من السابقين صحابي، من أكابرهم فضلا و عقلا و قربا من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم. كان خادم رسول اللّه الأمين و صاحب سرّه و رفيقه في حلّه و ترحاله و غزواته. له ٨٤٨ حديثا. توفي سنة ٣٢ ه/ ٦٥٣ م. (راجع الإصابة ت ٤٩٥٥ و البدء و التاريخ ٥: ٩٧).
[٣] هو أبو المنذر: أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي النجاري. كان أقرأ الصحابة و سيّد القرّاء.
شهد بدرا و المشاهد كلها. و قرأ القرآن على النبي صلى اللّه عليه و سلّم و جمع بين العلم و العمل. توفي سنة ١٩ ه. و قيل سنة ٢٢ ه. (راجع تذكرة الحفاظ رقم ٦ و مشاهير علماء الأمصار رقم ٣١).
[٤] قراءة ابن مسعود هي قراءة عاصم بن بهدلة أبي النجود شيخ الأقراء بالكوفة، و قد أقرأها أبا بكر بن عياش، و هي القراءة التي كان يعرضها على زر بن حبيش عن ابن مسعود. و في تاريخ المصاحف بيان لحروف ابن مسعود و مصحفه. أمّا قراءة أبيّ فقد أخذ بها عبد اللّه بن حبيب أبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفة و إليه انتهت القراءة تجويدا و ضبطا و ممّن أخذ عنه عاصم. و بتاريخ المصاحف بيان لمصحفه و القراءتان متوافرتان و لهما قراءة تجري مجرى التفسير المشهور. و إنكار حرف منهما يكون إنكارا لبعض القرآن و إنكار بعضه كإنكار كلّه و هو كفر فوق ما فيه من نسبته إليهما الإفتاءات على اللّه في مصحفيهما.
و لقد زاد في غلوائه فشكّ في جميع عامة المسلمين و قال لا أدري لعل سرائر العامة كلها شرك و كفر و هذا خلاف إجماع أهل السنّة حيث قالوا: إنّا نقطع أن في عوام المسلمين مؤمنين عارفين براء من الكفر و الشرك. (راجع غاية النهاية أول ص ٣٤٧ و ص ٤١٣ و تاريخ المصاحف ص ٥٣ و ص ٥٤ و التبصير ص ٦٣).