الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٦٤
و الإقرار بما أنزل اللّه، و بما جاء به الرسول في الجملة دون التفصيل. و الإيمان لا يزيد و لا ينقص. و زعم أن قائلا لو قال: أعلم أن اللّه تعالى قد حرم أكل الخنزير، و لا أدري هل الخنزير الذي حرمه: هذه الشاة أم غيرها؟ كان مؤمنا. و لو قال: أعلم أن اللّه تعالى فرض الحج إلى الكعبة، غير أني لا أدري أين الكعبة؟ و لعلها بالهند؛ كان مؤمنا. و مقصوده أن أمثال هذه الاعتقادات أمور وراء الإيمان، لا أنه كان شاكا في هذه الأمور، فإن عاقلا لا يستجيز من عقله أن يشك في أن الكعبة:
إلى أي جهة هي؟ و أن الفرق بين الخنزير و الشاة ظاهر.
و من العجيب أن غسان كان يحكي عن أبي حنيفة رحمه اللّه مثل مذهبه، و يعده من المرجئة، و لعله كذب كذلك عليه. لعمري! كان يقال لأبي حنيفة و أصحابه مرجئة السنّة، وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة، و لعل السبب فيه أنه لما كان يقول: الإيمان هو التصديق بالقلب، و هو لا يزيد و لا ينقص، ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان. و الرجل مع تخريجه في العمل كيف يفتي بترك العمل! و له سبب آخر، و هو أنه كان يخالف القدرية، و المعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول. و المعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئا، و كذلك الوعيدية من الخوارج. فلا يبعد أن اللقب إنما لزمه من فريقي المعتزلة و الخوارج، و اللّه أعلم.
٤- الثوبانيّة [١]
أصحاب أبي ثوبان المرجئ، الذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة و الإقرار باللّه تعالى، و برسله عليهم الصلاة و السلام، و بكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله، و ما جاز في العقل تركه فليس من الإيمان، و أخر العمل كله عن الإيمان [٢].
[١] راجع في شأن هذه الفرقة. (الفرق بين الفرق ص ٢٠٤ و التبصير ص ٦١ و مقالات الإسلاميين ١: ١٩٩).
[٢] فارقوا اليونسية و الغسانية بإيجابهم في العقل شيئا قبل ورود الشرع بوجوبه. (الفرق بين الفرق ص ٢٠٤).