الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٤١
و أما المجتهدون في الفروع فاختلفوا في الأحكام الشرعية من الحلال و الحرام، و مواقع الاختلاف مظانّ غلبات الظنون، بحيث تصويب كل مجتهد فيها، و إنما يبتني ذلك على أصل، و هو أنا نبحث: هل للّه تعالى حكم في كل حادثة أم لا؟.
فمن الأصوليين من صار إلى أن لا حكم للّه تعالى في الوقائع المجتهد فيها حكما بعينه قبل الاجتهاد، من جواز و حظر، و حلال و حرام. و إنما حكمه تعالى ما أدى إليه اجتهاد المجتهد و أن هذا الحكم منوط بهذا السبب. فما لم يوجد السبب لم يثبت الحكم؛ خصوصا على مذهب من قال: إن الجواز و الحظر لا يرجعان إلى صفات في الذات، و إنما هي راجعة إلى أقوال الشارع: افعل، لا تفعل. و على هذا المذهب كل مجتهد مصيب في الحكم.
و من الأصوليين من صار إلى أن اللّه تعالى في كل حادثة حكما بعينه، قبل الاجتهاد من جواز و حظر، بل و في كل حركة يتحرك بها الإنسان حكم تكليف من تحليل و تحريم، و إنما يرتاده المجتهد بالطلب و الاجتهاد، إذ الطلب لا بد له من مطلوب. و الاجتهاد يجب أن يكون من شيء إلى شيء، فالطلب المرسل لا يعقل و لهذا يتردد المجتهد بين النصوص و الظواهر و العمومات، و بين المسائل المجمع عليها، فيطلب الرابطة المعنوية، أو التقريب من حيث الأحكام و الصور، حتى يثبت في المجتهد فيه مثل ما يلفيه في المتفق عليه، و لو لم يكن له مطلوب معين: كيف يصح منه الطلب على هذا الوجه؟ فعلى هذا المذهب: المصيب واحد من المجتهدين في الحكم المطلوب، و إن كان الثاني معذورا نوع عذر إذ لم يقصر في الاجتهاد.
ثم: هل يتعين المصيب، أم لا؟ فأكثرهم على أنه لا يتعين، فالمصيب واحد لا بعينه. و من الأصوليين من فصل الأمر فيه فقال: ينظر في المجتهد فيه، فإن كانت مخالفة النص ظاهرة في واحد من المجتهدين، فهو المخطئ بعينه خطأ لا يبلغ تضليلا. و المتمسك بالخبر الصحيح و النص الظاهر مصيب بعينه، و إن لم تكن مخالفة النص ظاهرة فلم يكن مخطئا بعينه، بل كل واحد منهما مصيب في اجتهاده، و أحدهما مصيب في الحكم لا بعينه.