الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٤
٣- الكرّاميّة [١]
أصحاب أبي عبد اللّه محمد بن كرام [٢]. و إنما عددناه من الصفاتية لأنه كان ممن يثبت الصفات إلا أنه ينتهي فيها إلى التجسيم و التشبيه. و قد ذكرنا كيفية خروجه و انتسابه إلى أهل السنّة فيما قدمنا ذكره.
و هم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة. و أصولها ستة: العابدية، و التونية، و الزرينية، و الإسحاقية، و الواحدية، و أقربهم الهيصمية [٣]، و لكل واحدة منهم رأي إلا أنه لما لم يصدر ذلك عن علماء معتبرين، بل عن سفهاء اغتام جاهلين لم نفردها مذهبا و أوردنا مذهب صاحب المقالة، و أشرنا إلى ما يتفرع منه.
نص أبو عبد اللّه على أن معبوده على العرش استقرارا، و على أنه بجهة فوق ذاتا، و أطلق عليه اسم الجوهر، فقال في كتابه المسمى عذاب القبر إنه أحديّ الذات، أحديّ الجوهر، و إنه مماس للعرش من الصفحة العليا، و جوز الانتقال، و التحول، و النزول، و منهم من قال إنه على بعض أجزاء العرش، و قال بعضهم:
امتلأ العرش به، و صار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق، و أنه محاذ للعرش.
ثم اختلفوا فقالت العابدية: إن بينه و بين العرش من البعد و المسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به، و قال محمد [٤] بن الهيصم: إن بينه و بين العرش بعدا
[١] راجع في شأن هذه الفرقة. (التبصير ص ٦٥ و الفرق بين الفرق ص ٢١٥).
[٢] توفي سنة ٢٥٥ ه/ ٨٦٩ م. تقدمت ترجمته.
[٣] أصحاب محمد بن الهيصم.
[٤] محمد بن الهيصم، متكلم الكرامية، و قد ذهب إلى أنه تعالى ذات موجودة منفردة بنفسها عن سائر الموجودات لا تحلّ شيئا حلول الأعراض و لا تمازج شيئا ممازجة الأجسام بل هو مباين للمخلوقين إلّا أنه في جهة فوق بينه و بين العرش بعد لا يتناهى. هكذا يحكي المتكلمون عنه. و لم اره في شيء من تصانيفه و أحالوا ذلك لأن ما لا يتناهى لا يكون محصورا بين حاصرتين و أنا أستبعد عنه هذه الحكاية لأنه كان أذكى من أن يذهب عليه فساد هذا القول. (راجع ابن أبي الحديد أول ص ٢٩١).