الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٨١
و أقرب من هذا ما حكاه أبو حامد الزوزني أن المجوس زعمت أن إبليس كان لم يزل في الظلمة و الجو خلاء بمعزل عن سلطان اللّه، ثم لم يزل يزحف و يقرب بحيله حتى رأى النور فوثب وثبة فصار في سلطان اللّه في النور، و أدخل معه هذه الآفات و الشرور، فخلق اللّه تعالى هذا العالم شبكة فوقع فيها، و صار متعلقا بها لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه، فهو محبوس في هذا العالم، مضطرب في الجسم، يرمى بالآفات و المحن و الفتن إلى خلق اللّه تعالى. فمن أحياه اللّه رماه بالموت، و من أصحه رماه بالسقم، و من سره رماه بالحزن، فلا يزال كذلك إلى يوم القيامة. و في كل يوم ينقص سلطانه حتى لا يبقى له قوة. فإذا كانت القيامة ذهب سلطانه و خمدت نيرانه، و زالت قوته، و اضمحلت قدرته فيطرحه في الجو، و الجو ظلمة ليس لها حد و لا منتهى.
ثم يجمع اللّه تعالى أهل الأديان فيحاسبهم و يجازيهم على طاعة الشيطان و عصيانه.
و أما المسخية فقالت إن النور كان وحده نورا محضا، ثم انمسخ بعضه فصار ظلمة. و كذلك الخرمدينية [١]، قالوا بأصلين، و لهم ميل إلى التناسخ و الحلول، و هم لا يقولون بأحكام و حلال و حرام.
و لقد كان في كل أمة من الأمم قوم مثل الإباحية، و المزدكية، و الزنادقة، و القرامطة، كان تشويش ذلك الدين منهم، و فتنة الناس مقصورة عليهم.
٣- الزّردشتيّة
أولئك أصحاب زردشت بن يورشب الذي ظهر في زمان كشتاسب [٢] بن لهراسب [٣] الملك. و أبوه كان من أذربيجان، و أمه من الري و اسمها: دغدوية.
[١] الخرمدينية: لفظة أعجمية و هي عبارة عمّا يستلذ و يشتهي و ترتاح به الأنفس. و هو لقب للمزدكية و هم أهل الإباحة من المجوس الذين ظهروا في أيام قباذ و أباحوا النساء و أحلّوا كل محظور في الشرائع.
(عقائد آل محمد ص ٢٥).
[٢] كشتاسب، و يقال كشتاسف. و يقول ابن الأثير بشتاسب بن لهراسب ابتنى بفارس مدينة فسا و رتب سبعة من عظماء أهل مملكته مراتب و ملك كل واحد منهم مملكته على قدر مرتبته و قد اصطلح مع ملك الترك. قتله رستم الشديد بسجستان. (ابن الأثير ١: ١٠٦).
[٣] ملك الفرس و كان محمود السيرة. قيل إنه ولى ابنه كشتاسب على الملك و انقطع للعبادة. (ابن خلدون ١: ٢٣٨).