الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦٧
الناسوت و اللاهوت معا، و أطلقوا لفظ الأبوة و النبوة على اللّه عز و جل و على المسيح لما وجدوا في الإنجيل حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد، و حيث قال له شمعون الصفا: إنك ابن اللّه حقا.
و لعل ذلك من مجاز اللغة، كما يقال لطلاب الدنيا أبناء الدنيا، و لطلاب الآخرة أبناء الآخرة. و قد قال المسيح عليه السلام للحواريين [١]: «أنا أقول لكم، أحبوا أعداءكم و باركوا على لاعنيكم، و أحسنوا إلى مبغضيكم و صلوا لأجل من يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء، الذي تشرق شمسه على الصالحين و الفجرة، و ينزل قطره على الأبرار و الأئمة، و تكونوا تامين كما أن أباكم الذي في السماء تام» و قال: «انظروا صدقاتكم فلا تعطوها قدام الناس لتراءوهم فلا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في السماء» و قال حين كان يصلب «أذهب إلى أبي و أبيكم».
و لما قال أريوس [٢]: القديم هو اللّه، و المسيح هو مخلوق، اجتمعت البطارقة و المطارنة و الأساقفة في بلد قسطنطينية [٣] بمحضر من ملكهم، و كانوا ثلاثمائة و ثمانية عشر رجلا، و اتفقوا على هذه الكلمة اعتقادا و دعوة، و ذلك قولهم:
«نؤمن باللّه الواحد الأب مالك كل شيء، و صانع ما يرى و ما لا يرى، و بالابن الواحد يسوع المسيح، ابن اللّه الواحد، بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها، و ليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم، و خلق كل شيء من أجلنا، و من أجل معشر الناس، و من أجل خلاصنا، نزل من السماء و تجسد من روح القدس و صار إنسانا، و حبل به، و ولد من مريم البتول [٤]،
[١] الحواريون: هم أصحاب عيسى عليه السلام و كانوا اثني عشر رجلا و اختلف في تسميتهم بذلك.
[٢] أريوس: هو أكبر تلاميذ مار بطرس بطريك الإسكندرية و من كهنة الإسكندرية و من خرّيجي المدرسة اللّاهوتية واسع الاطلاع غزير المادة في العلوم الدينية. (ابن خلدون ١: ٣٢٠ و خلاصة تاريخ المسيحية بمصر ص ٨١).
[٣] قسطنطينيّة: و يقال قسنطينة بإسقاط ياء النسبة عمرها قسطنطين ملك الروم فسميت باسمه ثم صارت عاصمة الخلافة العثمانية قبل زوال الخلافة.
[٤] المنقطعة عن الرجال.