الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧٥
البدعة الثانية: القول بالتناسخ [١] زعما أن اللّه تعالى أبدع خلقه أصحاء سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم و خلق فيهم معرفته و العلم به، و أسبغ عليهم نعمه. و لا يجوز أن يكون أول ما يخلقه إلا عاقلا ناظرا معتبرا و ابتدأهم بتكليف شكره. فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به، و عصاه بعضهم في جميع ذلك. و أطاعه بعضهم في البعض دون البعض، فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم التي ابتدأهم فيها و من عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب و هي النار و من أطاعه في البعض و عصاه في البعض أخرجه إلى دار الدنيا فألبسه هذه الأجسام الكثيفة. و ابتلاه بالبأساء و الضراء. و الشدة و الرخاء، و الآلام و اللذات على صور مختلفة من صور الناس و سائر الحيوانات على قدر ذنوبهم. فمن كانت معصيته أقل و طاعته أكثر كانت صورته أحسن، و آلامه أقل، و من كانت ذنوبه أكثر كانت صورته أقبح، و آلامه أكثر ثم لا يزال يكون الحيوان في الدنيا كرّة بعد كرّة، و صورة بعد أخرى، ما دامت معه ذنوبه و طاعاته، و هذا عين القول بالتناسخ.
و كان في زمانهما شيخ المعتزلة أحمد بن أيوب بن مانوس [٢]، و هو أيضا من تلامذة النظام. و قال أيضا مثل ما قال أحمد بن خابط في التناسخ، و خلق البرية
- فأقبل، و قال له: أدبر، فأدبر. فقال: ما خلقت خلقا أكرم منك و بك أعطي و بك آخذ» و قالا: إن المسيح تدرّع جسدا، و كان قبل التدرّع عقلا.
قال عبد القاهر: قد شارك هذان الكافران الثنوية و المجوس في دعوى خالقين و قولهما شرّ من قولهم ...».
[١] قال بالتناسخ قوم من الفلاسفة قبل الإسلام. و كان سقراط من جملتهم. و في الإسلام فريق من القدرية و فريق من غلاة الروافض و ما في الثنوي، إذ ذكر أن أرواح الصديقين إذا خرجت من أبدانهم اتصلت بعمود الصبح إلى أن تبلغ النور الذي فوق الفلك. و يكونون في السرور دائما. أما أرواح أهل الضلال فإنها تتناسخ في أجسام الحيوان من حيوان إلى آخر حتى تصفو فتصل إلى النور الذي فوق الفلك. (راجع التبصير ص ٨٠). (و راجع كتاب البيروني «تحقيق ما للهند من مقولة» ص ٢٤).
[٢] في «التبصير» أحمد بن بانوش (ص ٨٠) و في «الفرق بين الفرق» أنه أحمد بن أيوب بن بانوش (ص ٢٧٥) و هو ليس بمرضي عنه. (راجع لسان الميزان أول ص ١٣٩).